حين ترتدي النرجسية ثوب الأنوثة
نسمع كثيرًا عن الرجل النرجسي؛ عن حضوره الطاغي، ووعوده البراقة، وقدرته العجيبة على جذب القلوب ثم إنهاكها. لكن قليلًا ما نتوقف أمام الوجه الآخر للحكاية: ماذا عن المرأة النرجسية؟ كيف تبدو؟ وكيف تؤثر؟ ولماذا نتردد في الاعتراف بوجودها؟
ما النرجسية؟
النرجسية ليست صفة ذكورية أو أنثوية، بل نمط شخصية يقوم على تضخم الإحساس بالذات، والحاجة الدائمة للإعجاب، والعجز عن التعاطف الحقيقي مع الآخر. غير أن المجتمع، بطبيعته، يميل إلى تفسير سلوك المرأة بطرق مختلفة؛ فيغفر لها أحيانًا ما لا يُغتفر للرجل، أو يبرر تصرفاتها تحت مسميات العاطفة، أو الحساسية، أو حتى "الضعف".
فالمرأة النرجسية لا تظهر دائمًا في صورة المتسلطة الصارخة.
أحيانًا تكون رقيقة الملامح، هادئة الصوت، لكنها بارعة في لعب دور الضحية. تتقن صناعة المشهد الذي يضعها في مركز الاهتمام، وتجيد تحويل أي خلاف بسيط إلى قضية وجودية تدور كلها حولها. لا تعترف بخطأ، وإن اعترفت فاعترافها مشروط، ملتبس، يحمّل الطرف الآخر مسؤولية ما حدث.
في العلاقات العاطفية، قد تمنح شريكها شعورًا استثنائيًا في البداية؛ ترفعه إلى السماء، تجعله يرى نفسه بعيونها المبهورة. ثم، شيئًا فشيئًا، تبدأ عملية التقليل: انتقاد مبطن، مقارنة قاسية، تذكير دائم بالفضل. في النهاية، يجد نفسه يسعى لإرضائها، خائفًا من خسارة رضاها، متسائلًا: أين ذهب ذلك الدفء الأول؟
أما في الصداقات، فقد تتحول العلاقة إلى ساحة منافسة خفية.
إنها لا تحتمل أن تتفوق صديقتها عليها، ولا أن تحظى باهتمام أكبر. تبارك النجاحات بفتور، وتبحث في كل إنجاز عن ثغرة تقلل من بريقه. هي لا تكره الآخرين بقدر ما تخشى أن يسرقوا الضوء الذي تعتقد أنه حق حصري لها.
وفي دور الأم، قد يكون الأمر أكثر تعقيدًا.
فالأم النرجسية قد ترى أبناءها امتدادًا لصورتها، لا ذوات مستقلة. تحبهم حين يعكسون نجاحها أمام الناس، وتضيق بهم حين يختارون طرقًا لا تناسب رؤيتها. الطفل هنا يكبر وهو يحمل عبئًا ثقيلًا: أن يكون كما تريد أمه، لا كما يريد هو.
لكن خلف كل هذا، هناك هشاشة عميقة. فالنرجسية ليست قوة بقدر ما هي درع سميك يخفي شعورًا دفينًا بعدم الكفاية. المرأة النرجسية قد تكون في داخلها طفلة لم تُمنح الحب غير المشروط، فتعلمت أن تنتزع الإعجاب انتزاعًا، وأن تحتمي بصورة مثالية لا تسمح لأحد بلمسها.
الحديث عن المرأة النرجسية ليس دعوة للاتهام أو التشهير، بل محاولة للفهم. فكما أن هناك رجالًا يؤذون باسم الحب، هناك نساء يفعلن الأمر ذاته، لا بدافع الشر الخالص، بل بدافع احتياج مشوه لم يُعالَج.
الأهم من تشخيص الآخر هو حماية الذات.
أن ندرك العلامات، أن نضع حدودًا واضحة، أن نرفض التقليل المستمر من قيمتنا، وأن نفهم أن الحب الصحي لا يقوم على الهيمنة أو التلاعب أو السعي الدائم لنيل الرضا.
حين نعترف بوجود النرجسية في كل صورها، دون تحيز لجنس أو قالب اجتماعي، نخطو خطوة نحو علاقات أكثر وعيًا، وأكثر إنصافًا، وأكثر إنسانية. لأن الألم لا يفرّق بين رجل وامرأة، وكذلك الشفاء.
اقرأ أيضًا
بين الصحراء، والبحر... أنا الأخرى
بانش والدمية: حين يبحث الصغير عن أمانه
اترك أثرًا… فالعمر يُقاس بما نمنحه لا بما نأخذه
المُعْمى بسوء النية لا يستحق عناء التبرير
سندريلا... ونسب الطلاق العالية
الكلام سهل… الذي يعيش هو الفعل
لا تحاكم الناس بآذانك… بل بعقلك وتجربتك
لا تُطارِد الفراشة… أصلِح حديقتك!
معرض الكتاب وذكريات من زمن فات...
أن تُطفئ من حولك… لا يعني أنك ستظهر
المقارنة تسرق الحياة… والخروج منها إنقاذ
ميكي ماوس (Mickey Mouse): الفأر الذي علّم العالم كيف يبتسم
علي الزيبق (Ali Al-Zibaq): بطل الحيلة والذكاء في مواجهة القهر المملوكي
السيرة الهلالية (The Hilali Epic): ملحمة العرب الكبرى بين التاريخ والخيال الشعبي
جحا (Juha): الحكيم الذي اختبأ خلف قناع السخرية
ألف ليلة وليلة: حين أنقذت الحكايةُ العالم من السيف
موليير… المسرحي الذي فضح الإنسان وهو يضحك
فولتير… الكاتب الذي حوّل الكلمة إلى سلاح ضد الظلام
طاغور: شاعر الإنسانية الكونية وصوت الشرق الذي خاطب العالم
سقراط (Socrates): حكيم أثينا الذي علّم الإنسانية كيف تفكّر قبل أن تتكلم
ضمير الدراما المصرية: أسامة أنور عكاشة وسرد الحلم والواقع في وجدان العرب
ماري منيب: سيدة الكوميديا الصارمة… حين تحوّلت الأم المتسلطة إلى أيقونة للضحك المصري
ماعت (Ma’at): الإلهة التي حوّلت العدالة إلى نظام كوني يحكم الآلهة والبشر
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا