الحب لا يعرف الحيرة

الحب لا يعرف الحيرة

"دونا"... الحب يا سيدتي من المفترض ألا يعرف الحيرة!


الحب لا يعرف الحيرة… “دونا”… الحب يا سيدتي من المفترض ألا يعرف الحيرة! استكمالًا لسرد قصة صديقي التي بدأنها في مقالٍ سابقٍ نشرناه هنا على مدونة بذور تحت اسم، “لحظات الحب والحيرة”…


الحب لا يعرف الحيرة "دونا"... الحب يا سيدتي من المفترض ألا يعرف الحيرة!
بقلم/ د. أسامة رمزي - استشاري تنمية وتعليم

الحب لا يعرف الحيرة

تصدير

لا تشعري بالذنب، يا صديقتي، لا تشعري بالذنب

فإن كل امرأةٍ أحببتها قد أورثتني ذبحةً في القلب

لا تشعري بالذنب

ملحوظة هامة

ما معنى كلمة “دونا”؟: “دوناهي كلمة إيطالية تعني “السيدة المحترمة”. وهي لقب يتم استخدامه للحديث إلى أو عن السيدات المحترمات من الطبقات الراقية في إيطاليا وفي ربوع أوروبا.

استكمالاً لقصة صديقي الذي قابلته فجأة بعد أن عاد به الزمن إلى العشرينات من عمره وحكى لي عن حبه لزميلته وصديقته. وكيف حاول أن يبوح بهذا الحب أكثر من مرة لكنها الحيرة التي تملكت منه وجعلته كلما اقترب من البوح تعثر وتأخر ولم ينطق بمكنون قلبه. غيره الحب حين وجدته أول مرة. وحين تركته يغني مع فيروز  "خايف أقول اللي في قلبي" ويناقش نفسه في الحيرة التي تملكته وتردده ما بين إقبال وإدبار.

الحب لا يعرف الحيرة، شكله كده كان حلم!

منذ الصباح، أجلس وأنا استمع لأغاني الست “أم كلثوم” الواحدة تلو الأخرى: حيرت قلبي معاك، أنت عمري، فكروني… كل بضع دقائق أجدني أتوقف لأعيد الاستماع إلى كوبليه معين للحظة أو أدندن مع قطعة من اللحن الموسيقي في أخرى. أشعر بقلبي يرفرف في قفصي الصدري يريد أن يحطمه كي ينطلق في البراح البديع للموسيقى والكلمات. أرى روحي وهي تشتاق للسفر إلى حيث هي تكون. أمسك بالهاتف أريد أن أحدثها وأستمع لصوتها… لكني أخاف ألا أجد الكلمات أو الحُجة للحديث معها. سئمت من السؤال عن الحال، وعن الأخبار، وعن العمل الذي يجمع بيننا. وتعبت من الكتمان والكبت وكبح جماح مشاعري التي تريد أن تنطلق من محبسها الذي أسجنها فيه بإرادتي الحرة.”

هكذا بدأ صديقي في سرد بقية قصته مع من أحبها وأرادها قلبه، ثم استمر واصفًا مشاعره وقاصًا حكايته بقوله،

أصبحت أخاف حتى من أن أتخيلني أصارحها بمكنون قلبي. لماذا؟ لأن هذا قد يحدث بعنف قد يخيفها مني. فأنا في حقيقة الأمر أحاول أن أمنع انفجارًا مدويًا للمشاعر التي أحملها وأخبئها منذ زمنٍ ليس ببعيد إذا ما سمحت لها لحظة فجأة بالإنفلات والظهور دون تدرج أو احتراسٍ وتدبير. ومع كل دقيقة تأخير في البوح تكون احتمالات ضخامة وعظم القوة التفجيرية للمشاعر والأحاسيس في داخلي أكبر. فهل من خبيرٍ في إفساد مفعول قنابل الحب أو تهدئة انفجارها والتحكم في آثارها يمكن -في هذه الحالة- أن يساعد؟!”

ثم وضع صديقي يده على صدره وهو يضمها في شده وقال،

تظلمني إرادتي… تلك الجبارة في كل شيئ إلا في الحب. تلك التي يمكنها أن تتغلب على عقباتٍ كالجبالِ. وتقف معاندةٌ في وجه الخصوم قويةٌ مهما تعرضت للمُحال من هزائم أو نالها من جروحٍ وكسور في قتال. دائمًا أسعى وأبحث عن النصر وأنتصر. إلا معها، فرغم رقة العواطف التي أحملها تجاهها أو بالحق هي التي الآن تحملني. ومع قوتها، وحلاوتها، وإحساسي بأنها لها غير ممانعة –إحساسٌ لا أدري كيف أو متى تمت ولادته بداخلي ولست حتى ضامنه ولا شبه متأكد منه– إلا أني أجدني أضعف من مواجهتها. أو ربما أكثر خوفًا من نفسي على نفسي وعليها!”

أكمل صديقي معي ما كان قد بدأه من قبل في التعبير عن همه، وقد وجدته على غير ما وجدت قد عاد للأربعينات من عمره. مهمل في ثيابه، ولم يعد يهتم بالحفاظ على وزنه وطعامه. تارك للحيته العنان أن تنمو، وقد عاد لارتداء النظارة الطبية التي يقرأ بها والتي تأكل معظم مساحة وجهه.

سألته أنا: ما بك؟ فأجاب منشدًا

إن قلبي مثقلٌ بالهموم

وعقلي مطحونٌ بالشواغل

وجسدي المتعب لا يعرف راحة أو نوم

وروحي مشتتةٌ… تنتظر من الحياةِ رسائل!!

لم أعد أعرف أو أثق في كونها بالفعل تميل لي وأن الكفة في صالحي لو طلبتها لتكون حياتي. هي التي جذبتني إليها بانتباهها، وبسؤالها، وبتطرقها لموضوعات شخصية كثيرة فيما بيننا. والأهم بالبوح بحبها القديم لي الذي ادعت أنه انتهى على حين فجأة ودون أي سؤال مني أو توقع. لكني أتذكر الآن أول لقاء تم فيما بيننا أثناء اجتماع عمل يوم سبت… انتهينا من الاجتماع وخرجنا نتعارف ونتبادل أطراف الحديث مجموعة مكونة من أربعةِ أفرادٍ. هي، وسيدة أخرى يبدو من الخاتم في يدها اليسرى أنها متزوجة، وشاب أيضًا متزوج وأنا.

هل أنتما متزوجان عن حُب؟

كان تعليقها الذي جذب انتباهي لشخصيتها سؤال للشاب حول إذا ما كانت السيدة الأخرى التي معنا زوجته؟ وهل زواجهما كان عن حُب؟ لكي أشعر بالحرج حين أجابها نافيًا الأمر بشدة وأن السيدة هي زميلة عمل ليس إلا. وأنهما يعملان سويًا في نفس المكان الذي أتيا لهذا الاجتماع ليمثلانه. أما هو فزوجته تعمل في مكانٍ آخرٍ ولو تعلم أنه سيكون متهمًا بزواجه من أخرى لعاقبته (ضاحكًا)… أحنت هي رأسها بعد سماعها لهذا الكلام ونظرت للأرض تتشاغل بمتابعة خطواتها… وقد شعرت في داخلي أنها إما تبحث عن حُبٍ مفقود فلا تجده، أو أنها تعيش قصة حب بالفعل وتظن أن الجميع يعيشها. أو ربما كانت خارجة من قصة حب عاشتها وتتحسر عليها أو تتأكد أنها كان من الممكن لها أن تنجح

وفي المرة التالية، والتي لست أذكر بالظبط فيها سوى جلوسنا بجوار بعضنا البعض. باحت لي بحكاياها عن حبيبها الأول الذي تركها رغم كونهما كانا قاب قوسين أو أدنى من الارتباط الرسمي. ولكن عند سؤالها حول لماذا فشل الارتباط ولم يتم؟ لم تعطي إجابة شافية أو واضحة يمكن من خلالها الفهم. وأيضًا لم ترغب في الاسترسال أو التفسير فما كان مني إلا احترام وتقدير رغبتها لأني أفهم كم يكون الألم ونحن نتذكر أحداثًا ماضية كانت بكل تأكيد قاسية!

بداية الاهتمام، وهم وتنفيس للكلام أم حقيقة؟!

بدأ بعدها بيننا يحدث حوار تليفوني، وإن سألتني من الذي بدأ الحديث واتصل أولاً فلن أجيبك سوى بـ “لست أتذكر من منا بالضبط لذي بدأ بالاتصال!”. المهم أنه قد حدث وأصبحنا نتحدث تليفونيًا كثيرًا… هي تتوق للسفر وتطلب مساعدتي وتشاركني في حلمها. أحاول أنا أن أبدو نافعًا لها رغم كوني أعرف صعوبة القيام بالهجرة في وقت أغلقت فيه معظم الدول الكبرى المرغوبة استقبال مهاجرين جدد.

كنا نتحدث ونبحث ونتشاور،،، ونخطط لأن نتقابل فيما بعد ثم تأتي الاجتماعات التي تجمعنا. مرة تعتذر عنها، فأعتذر أنا لأني أشعر بعدم جدوى هذه الاجتماعات لغيابها منها. فأنا أحضر غالبًا مدفةعًا لرؤيتها والجلوس بجوارها والحديث معها والشعور بسعادة لا توصف كوني قريب منها.

ثم أنشد صديقي وهو سارحًا لبعيد شاخصًا ببصره وكأنه قد سافر بقلبه وعقله من المكان الذي يجمعنا، وقال:  

عقلي وقلبي في حوارٍ دائمٍ

وقد عجز لساني في أن يتبع أي منهما

وزاد على عجزه ابتكاره لكلامٍ

لا يعبر غالبًا عني ولا بالطبع عنهما

مأزق صديقي في التردد وعدم الكلام الصريح

صمت صديقي لبرهة، ثم سرح بعيدًا وكأني غير بموجود وبدأ يتحدث إلى الفراغ حوله وكأنه يرى ما لا أراه. قال صديقي، “عندما أتحدث معك، يرفرف قلبي من السعادة ويطير من شدة الفرح. وعندما تكونين بجانبي أو حولي، تمتلئ رئتاي من عبيرك وتستنشق روحي ابتساماتك وخلجات نفسك وتنهداتك. ويعانقني الحُلم بأن نصير معًا للأبد… وحده ذاك القطار الذي يأتي ليخطفكِ مني فترحلين ويرحل معك قلبي وفكري. وتصبح الدنيا بعدك موحشةٌ من جديد. فحضورك هو ما يعطي الحياة حياة. فلماذا عني ترحلين؟!”

ثم وكأنه عاد إلى وعيه، نظر إليَّ واسترسل في الكلام موضحًا أن هذه رسالة كتبها إليها لكنه وكالعادة. لم يستطع أن يرسلها… قلبه يخشى كثيرًا أن يكون كل ما يعيشه مجرد وهم يصحو منه على حين فجأة. وسوف يكون هذا الصحيان بمثابة القتل بالنسبة له، على حسب تعبيره، فهو لا يتحمل توقع أن ترفضه. ولا يتحمل تصور أن يتعامل معها ويكون بجوارها أو يتصل بها فيما بعد إذا ما رفضته… صديقي يبدو أنه فاقد الثقة في ذاته كثيرًا نحوها ولو كان هناك سببًا لأن لا تقبله، ربما يكون هذا هو السبب الأوحد… مرةً أخرى أقول ربما.

ثم عاد صديقي من همه وسرحانه للإنشاد على مسامعي من جديد بقوله،

أَأُكذوبةٌ أنتِ؟ فلا تأمني..

لحسن ظني فيكِ أن يدوم!

ولئن كسرت يومًا -لأجلك- بعض قواعدي

فلا تغرسين في قلبي ندمًا وهموم!

فهمت من إنشاده أنه يتحاور معها عبر روحه ونفسه الحائرة. ويرسل لها رسالة من جديد يسألها. إن كانت بالحقيقة تحبه أم أن كل ما يشعر به هو من “حُسن ظنه” وبراءة قلبه. ويرجوها هو الذي كسر عهده بأن لا ينجذب لإمراةٍ في الحياة أن تصدقه القول والفعل ولا ترميه في الندم والهم فيما بعد

ثم عاد صديقي لاستكمال حكايته، وقد أراني رسالة جديدة كتبها من أجلها يخبرها فيها عن لوعته، وقد قال فيها

لابد لي وأن أعترف بأن الفترة القصيرة والقريبة التي مضت فيها أحببتك. نعم، أحببتك وعشت بسببك مشاعر وأحاسيس لم أعشها منذ زمنٍ بعيدٍ حتى ظننت بأنها لم يعد لها وجود بداخلي. لابد وأن تعلمي أن هذا ليس بذنبي بقدر ما هو ذنبك. ليس لأنك كنتِ أجمل سيدة في المجموعة التي تلاقينا وسطها أحببتك. فأنا لم ألحظ فيك اختلافًا عن أي واحدةٍ أخرى حين قابلتك أول مرة. وأكاد أعترف بأنكِ لم تلفتين انتباهي حتى –أعتذر لو أن هذا الاعتراف قد يشعرك ببعض الضيق.

أيضًا فإنك لم تكوني أشطر ولا ألمع واحدة وسطهم بشكل نهائي. ولكني رغم ذلك فيما بعد وقعت في حبك… كل ما أستطيع أن أقوله حول هذا أنني وجدتك بالنسبة لي أكثر الأشخاص الحقيقيين الذين قابلتهم… نعم، فأنتِ حقيقية في كل شيئ في زمنٍ ملأه الزيف والخداع والنفاق تحت مسمى التجميل والإيتيكيت وحتى الذكاء العاطفي. لأجل هذا فقط ربما أكون قد أحببتك! وسوف أظل أحبك!

وهي رسالة مثل غيرها… احتفظ بها صديقي ولم يرسلها أيضًا. فهل هي تشعر بما يدور في قلبه ويظهر على ملامحه من حب وهيام وخوف؟! هل صديقي اصبح “مريضًا” بالحب بعد ان كنا نراه دائمًا غير مبالي؟ لا إجابة يمكن الوصول إليها لأي من هذه الأسئلة ولا حتى من أصحابها أنفسهم. لأنه فيما يبدو هم لا يعرفون ماذا يريدون!

رسالة أخيرة من صديقي إليها

نظرت إلى صديقي ولحاله كنت متأسيًا. فما بين الأمس واليوم حدث تبدل وتغير عجيب. حتى أنني قلت في سري واصفًا ما رأته عيناي أمس ثم من بعده اليوم، “والسعادة التي قد يظنها البعض تطل في عينيك… هي في الحقيقة ستارًا لأحزانٍ مكتومةٍ وألم!”

طلبت من صديقي لكي أسري عنه ولا أتركه في الحزن الذي يكتنفه بأن ينشد لي بعض مما كتبه من رسئله إليها… فبدأ بالإنشاد مرةً مبتسمًا وفرحًا وتارةً مبتئسًا وحزينًا وكأنه قيس لا يقدر أن يرى ليلي أو عنترة العبسي عبدًا وهو يرجو الزواج من ابنة السادات عبلة. وما بين الفصحى والعامية التي انتقل إليها، طرح صديقي نجواه في هذه الأبيات المتناثرة.

(1)

وما بين ضَفْر الكلام جدايل جدايل

فردت أنا قلبي

شِريطة حمرا بطول شعرها

وزرعت وردة وفُلتين على ثَغْرَهَا

 (2)

ويا قلبي يا اللي شايل كتير همها

مهاجرني ليه وساكن بعيد في حضنها؟

خلص الكلام مني ولا عاد يتولد لي غيره

ارحم وصارحني،،، إزاي الطريق لأرضها؟!

(3)

ولو طلبت… يسافر مشي بالمشوار

ولو أمرت… لا يهمه صيف ولا حرارته النار

ده من غيرها… حياته في ليل

وجودها وبس… يزرع قلبه بشمس النهار

وأخيرًا

لقد نصحت صديقي في شكه العظيم الذي يقاتله بأن يأخذ العبرة من القول المشهور،

إذا أردت شيئًا بشدة، فاطلق سراحه… واترك باب القفص مفتوحًا… فإن عاد إليك فقد كان دائمًا لك. وإن لم يعد فإنه لم يكن لك من البداية.”

وأن يدعها في حريتها ويسترد هو حرية قلبه وعقله. وألا ينتظر منها أي شيئ اللهم إلا إذا عادت وتواصلت معه وأظهرت أنها تهتم به بالفعل وليس اهتمامًا من أجل مصلحة أو تعويض لمشاعر مفقودة بشكل مؤقت. لأنه فيما يظهر من حكاياته وقصصه عنها أنها ربما تكون لا تزال في انتظار إشارة من حبيبها السابق لكي إليه تعود… وفي الوقت ذاته… فهي لا تترك قلبًا يمكن أن تعذبه انتقامًا لكبريائها المذبوح إلا وحطمته… أقول ربما ولست متأكد!

 

القصة والأشعار بالفصحى وبالعامية من تأليف/ أسامة الأديب

استشاري تعليم وتنمية

القاهرة في 25 أغسطس 2022





اقرأ أيضًا

لحظات الحب والحيرة

عن الحب والزواج (2)…

علمتُ أنه يوم الجمعة…

مقتطفات ... بدون عنوان (3)

خمسة جنيه

مقتطفات ... بدون عنوان

مقتطفات ... بدون عنوان (2)

رُعب ... قصة قصيرة لأسامة الأديب

المصيدة… (قصة قصيرة)






تعليقات