لحظات الحب والحيرة
عن الحب والزواج... (المقال الثالث/ أسامة الأديب)
لحظات الحب والحيرة… عن الحب والزواج... سبق وأن
تناولنا الحديث عن موضوع الحب والزواج ولم نستكمله ولا أظن أننا مهما كتبنا ونشرنا
من مقالات عنه يمكن أن نَفي هذا الموضوع حقه. فهو موضوع يخص تاريخ الإنسان منذ أن
بدأ وحتى يزول وينتهي. ومهما قيل فيه أو كُتب عنه لن يستوفي أحد حقه أو يعطيه
القول الفصل النهائي الذي لا قبله ولا بعده. تمامًا مثلما نقول عن تعريف ما لمفهوم
أو مصطلح أنه لا يوجد له تعريف "جامع مانع"…
الحب! لا أحد يقدر أن يصفه إلا من يحب أو أحب، وحتى في وصفه له لن يستطيع أن يقول الحق كل الحق. ولن يستطيع أحد أن يغطي كل الجوانب في وصفه ولا أن يعري ويكشف كل المشاعر التي يحسها أو الأحاسيس التي يشعر بها ويعيشها. فمؤكد أن الكلمات مهما برع في استخدامها الإنسان ومهما استطاع أن يطوعها هي أعجز ما تكون لأن تقوم بعملٍ مثل هذا. ولذلك اخترع الإنسان أساليبًا وطرقًا أخرى للتعبير عن مشاعره بشكل عام وعن حبه بشكل خاص.
وهذه الأساليب والطرق والوسائل مثل التعبير بـ:
الموسيقى، الرسم، التمثيل… وأخيرًا بلغة الصمت… فالصمت أبلغ أحيانًا في قول ونقل
المشاعر من أي وسيلة أخرى.
نعم… أنا مشتاقٌ وعندي لوعة
الحب قد يجده الناس في الفرح بلقاء المحبوب. وفي الارتياح للقرب منه والنظر إليه والاستماع لنغمات صوته. والحب يوجد معه الكثير من الحزن، والخوف والشك، وفقدان الثقة بالنفس والابتعاد عن التصريح خوفًا من الانفصال وشكًا في رد فعل الطرف الآخر. والاكتفاء بالتلميح في انتظار إما التشجيع للسير قدمًا أو التجاهل والابتعاد والتسفيه للنكوص والتراجع والاكتفاء بالتفكير. الحب بقدر ما يدفع للعمل والسهر ويمنح من طاقة وقدرة للنجاح وللتميز والتوهج والتغير. بقدر ما قد يدفع للانطواء وللانحدار وللسقوط من قمة المجد إلى قاع الحياة وبؤسها والتمرغ في تراب الفشل والغرق في مستنقعه.
قال لي صديقي أمس
اهتممت بها، وشعرت نحوها بمشاعر خاصة. وقد شجعني على مزيد من الاهتمام
انتباهها بتفاصيل في حياتي. أنا نفسي لم أعد أعتني أو أتذكر عنها شيئًا او انتبه
لها. فطفقتُ كلما قابلتُها لا أشعر بالرغبة في فراقها. ووجدتني أهتم بالحديث معها،
والسير بجوارها، والجلوس بقربها. ومجادلتها ومحاولة مناوشتها بالدعابات والضحك من
ردة فعلها.
أدهشتني لحظة أن اعترفت لي دون مناسبة بأنها كانت تعيش قصة حب قديم
استمر لسنوات هي أجمل فترات العمر. وأكدت لي أن هذا الحب قد انتهى من قبل أن يأخذ
شكل العلاقة الرسمية. ولكنها حيرتني في كونها كلما جاء الحديث عن الارتباط تتهرب
منه وتعلن أنها لا تفكر فيه تارة وأنها لم تجد بعد الشخص المناسب تارةً أخرى.
وأيضًا أربكتني في كل مرة تشاركني حلمها وتتحدث معي عنه بصيغة الجمع
وباستخدام الكلمات، "تعالى نعمل كذا". وشجعتني للبحث معها عن وسائل وطرق للسفر كما
أنها خصتني في الحديث لأكثر من مرة بأننا "يجب أن نسافر سوى". لكنها في ذات الوقت
آلمتني كلما حاولت أن أناوش من بعيد حول إمكانية أن يكون هناك بيننا ارتباط. أنا
الرجل الذي لم يعرف في حياته التلميح ولم يفهمه. وكلما حاولت أن أستخدمه معها
أجدني لا أفهم هل الخطأ في الرسالة التي ألقيتها؟ أم أن الخطأ في فهمي لإجابتها
ولردة فعلها؟ أم أنني الذي لا أريد او أعجز عن الفهم وأسجن نفسي في خيالات ويجب
عليَّ أن أقطع الشك بيقين السؤال المباشر والإجابة المباشرة؟
يوم أمس، والقرار الذي كلما أخذته أؤجله
أكمل صديقي حديثه وهو عابث الوجه حائر الفؤاد غير قادر على كبح جماح
غضبه الممزوج بالحزن. أو سجن دموعه المترقرقة المطلة من عينيه، "قررت بالأمس أن
أصارحها وأطلب منها الرد في وقت معلوم. وبالفعل قابلتها، وقد مشينا سويًا وجلسنا
وتحدثنا في أمور كثيرة. ووقت الغداء انتقلنا لتناول الطعام في مكان كان يمكن أن
يبدأ فيه الحديث لكنها فاجئتني وقبل أن نآكل بأن طلبت أن نقتسم ثمن الطعام سويًا.
متعللة بأني في الفترة الأخيرة قمت بدفع الكثير من المصروفات في مقابلاتنا. وهي لا
تعلم، أو ربما هي تعلم، بأن هذا كان من الأشياء التي تسعدني. ليس فقط أن أبذل المال
أو الوقت لأجلها، ولكن أن أبذل النفس والحياة أيضًا.
لكن مع إلحاحها في أن أخذ منها ما أخرجته من نقود، وجدتني أضعها
جانبًا وأنا أحاول فك عقدة لساني لأتكلم. وما تكلمت إلا في أمور فارغة عن الأكل أو
صمت حتى سألتني أكثر من مرة عن سر صمتي. فما كانت إجابتي إلا، "أبدًا… أفكر!" ثم
أحاول أن استجمع شتات فكري المتبعثر لعلي أستطيع أن ألقي الكلام ليخرج كيفما يخرج.
إلا ان العجز بدا على وجهي المتألم، وبعدما انتهينا من الأكل ووقفنا وقد استبدلت
النقود التي أعطيتنيها بمبلغ آخر مماثل ثم رددته لها قائلاً، “أنتِ حلفتي على الفلوس
دي مترجعش لشنطتك تاني… صحيح، وأنا علشان حلفانك أخدت فلوسك واستبدلتها بفلوس
غيرها.” ثم بعد محاولات مضنية منها للرفض قبلت وأخذت النقود ووضعتها في شنطتها وهي
تطلب مني ألا أصرخ في وجهها ثانيةً، وخرجنا…
ويستمر ضياع الفرصة تلو الفرصة
أشارت لي بعد الخروج أنه من الأفضل أن نركب "تاكسي" لأنها متعبة. ولا
تدري هي كم كنت أود أن أطيل وقت البقاء معها. فكذبت عليها أن المسافة حتى محطة
القطار التي نتوجه إليها ليست ببعيدة. وطلبت منها أن نسير خاصةً وأن موعد القطار
الذي تقصده لا يزال أبعد. فقبلت، وإن شعرت بأن قبولها كان على مضض. ولم أعر
اهتمامي لفكرة أنها ربما تصفني في داخلها بالبخل لكوني أجبرها على المشي بدلاً من
ركوب التاكسي وأني أفعل هذا للتوفير. ومشينا، كلما كنا قريبين من بعضنا ونستطيع أن
نتبادل الحديث كنت أجدني احدثها عن معالم المدينة. هذا البيت، هذا الشارع، لفت
انتباهها بيت على ناصية أحد الشوارع شكله مثل السهم ناصيته مدببة. وقد تعجبت من
كون أن هذه المساحة الضيقة جزء من البيت ومبني عليها غرفة ولها بلكونة. وضحكنا،….
صمت صديقي وهو يشير بعدم قدرته الآن على الاسترسال وأمسك بيديه رأسه يضمها وكأنه
يمنعها من أن تنفجر!!!
لا شيئ يحدث، لا شيئ على الإطلاق
خائف أنا، وأخشى أن أتكلم معها ونحن في الطريق لأني لا أريد أن
أفقدها. اشعر بأنها تفهم ما أريد أن أقوله، لكنها لا تشجعني على القول. طلبت منها
أن نسير في طريق أطول لكنه أكثر هدوءًا. الخوف عقد لساني، فوجدتني احكي لها أنه لو
قدر لها أن تأتي وحدها هنا فلا تأخذا هذا الطريق ليلاً أبدًا بمفردها. ولكن تتخذ
الطريق الآخر الأكثر ازدحامًا لأنه مؤكد سوف يكون أكثر أمانًا لها.
اتهمتني بأني أحب أن أسيطر، فأزعجتني بهذا الاتهام وبدأت في الدفاع عن
نفسي مضطربًا. مشاعري القلقة وأفكاري المتلاطمة ورغبتي المكبوتة في أن أعانق
عينيها وألقف ابتسامتها. أخبئها بين فصي قلبي جعلوني كلهم أعود للصمت أو للحديث
الممل عن أي شيئ آخر. وذلك حتى وصلنا إلى مقصدها. جلسنا وأنا صامت لا أود أن يأتي
القطار في موعده، أمسكت بجهاز الموبايل أتشاغل به وأحاول أن أقرر. هل أتكلم، أم
أقوم بالتأجيل حتى اللقاء القريب القادم؟ وماذا لو لم أتكلم الآن ولم أتكلم المرة
القادمة؟ هل يمكن أن أحدثها بالتليفون وأحكي لها ما يخبئه قلبي وما يفكر فيه عقلي
نحوها ولها؟ أم هل أفاجئها يومًا بأن تجدني في بلدتها أطلب مقابلتها أو مقابلة
والدها وأطلب يدها منه؟
الحب والحيرة
أسئلة كثيرة حائرة ودائرة من الشك ومن الخوف ومن عدم الثقة داهمتني
وشدت عقدة لساني. أفكار كثيرة داهمتني وجعلتني أسرح بعيناي بعيدًا عنها. لو كنت في
حالي الطيبة لربما قلت ان عينايَّ ابتعدتا عن توهج شمس الجنوب الساطعة من وجهها.
ولكن الحقيقة وما شعرت به أنهما ابتعدتا لتقاوما دمعتين أخاف أن تسقطا امامها بسبب
مقاومة العجز الذي اشعر به في البوح وصراعي الداخلي. فأنا أريد الكلام، وخوفي
وانزعاجي وقلقي من الرد يلجم لساني ويمنع شفتاي من صياغة الأصوات وتكوين الكلمات.
وعقلي يقف عن صياغة الجمل التي يراد قولها.
أتعلل كلما سألتني عن استغراقي في الصمت بالتفكير في شيئ ما وأنا غير
قادر عن البوح بأني أفكر فيها. ظللت هكذا حتى جاء زميل وقف معنا بعض الوقت ثم
غادرنا. فارتحت لنه غادر. سألتني إن كنت متعطل في البقاء معها وإن كنت أريد أنا
أيضًا ان أغادر بعد أن تأخر الوقت والقطار لم يأت بعد. فما كان مني إلا أن أجبت
بأني متفرغ اليوم وليس لدي ما يشغلني بدلاً من أن أبوح لها بأنها هي كل ما يشغلني
أمس واليوم وغدًا.
جاء القطار، وفات الميعاد
لم يمضي وقت طويل حتى هلَّ القطار علينا، فانطلقت لتركب أولى عرباته.
ثم بعد أن كادت أن تنسى وجودي وهي مندفعة للداخل عادت إلى حافة الباب وأشارت لي
معلنة الرحيل. فأشرت لها بيدي أودعها وأنا أقترب من الباب أسير متثاقلًا غير راغب
في رحيلها وحزين. ثم مررت بالباب ولم أقف وهي تعطيني ظهرها وتدخل بينما انا أسير
نحو سلم الخروج.
خرجتُ، وسرت في الشوارع وقد فَقَدتَّني. أبحث عني وأسأل نفسي، “لماذا
لم أتكلم؟” خفت من هواجسي حول بعد المسافة الزمنية في العمر بيني وبينها. ارتعبت
من أفكاري حول حبها القديم أن يكون هذه الأيام قد تجدد. عانقني الرعب من أن يكون
كل ما أعتقده حول قربي منها وتشابهنا في أشياء كثيرة ومشاعري كلها كلها مجرد وهم.
لفني الهم في أن أعود للفراغ الذي كان قبل تعرفي بها وأن أتشرنق فتخنقني الذكرى
وهي أمامي وحولي.
جلست على أقرب مقهى لأهدأ، طلبت من العامل كوبًا من الشاي ومباراة كرة
قدم على شاشة التلفاز يعرضها كي أفرغ انفعالاتي معها. جائني بالمشروب المطلوب ووجه
مؤشر التلفاز على القناة الرياضية كما رغبت. وبينما أفكر فيها وأشاهد الكرة
الحائرة بين الأقدام والتي تشبه رأسي الآن وهي تتلاقفها وتلعب بعها الأفكار.
رن هاتفي النقال، وكان الرقم المتصل رقمها،
- ألو…
- ألو…
- أيوه، وصلتي فين؟
- لسه يدوب أول محطة عدت.
- تمام، كويس!
- هو أنا رنيت عليك من شوية وأنت مردتش عليَ؟
- لأ!… ليه؟
- مش عارفة!.. أصل أنا رنيت على حد شكلي بس
أنا كنت اقصد أرن عليك أنت
- مش مشكلة، ولا يهمك
- بجد مش عارفة رنيت على مين
(ابتسامة لم ترها هي بالطبع وأنا أنتظر استكمالها للكلام)
- أخبارك إيه؟ بتعمل إيه دلوقت؟
- قاعد شوية على قهوة. هتفرج على ماتش
- مروحتش ليه؟
- أبدًا… مش حاسس أني عايز أروح دلوقت.
- طيب… خد راحتك
- ماشي.. توصلي بالسلامة! ابقي طمنيني عليكي
لما توصلي
- حاضر، باي
- باي
- على فكرة!
- إيه؟
- مش عارف أقولك إيه! بس… عايز أقولك أني
اتعودت أكلمك كل يوم، ومش عارف الفترة اللي جاية لما يخلص الشغل اللي بينا
هيحصل إيه وهنتواصل ازاي.
- خلاص لما نخلص نبقى نتكلم ونشوف الموضوع ده
- تمام… لولا أني قاعد على القهوة ومينفعش
نتكلم كنت أقولك تعالي نرتبها.
- خلاص، خليها وقت تاني.
وأحبها، ويحب ناقتها بعيري
أغلقت الهاتف وأغلقته. وأنا اضحك في سري عندما
أتذكر رنات هاتفها النقال على هاتفي. وعندما أسالها تقول أنها لم تقصد أن ترن علي
هاتفي بل الهاتف رن من نفسه. فأتذكر قول الشاعر القديم (المنخل اليشكري) الذي تغنى
بمحبوبته ودلل على شدة وصدق حبه لها وحبها له في قصيدته بعنوان (فتاة الخدر) بأن
قال.
وأحبها وتحبني… ويحب ناقتها بعيري
أي أنه يحبها، ليس هذا فحسب بل أن البعير الذي
يأتي به كوسيلة مواصلات لكي يراها يحب ناقتها ايضًا. فالحب أصبح بيني وبينها دون
تصريح، في حين أنه بين هاتفي وهاتفها أصبح صريحًا مباحًا فرحًا في رناته المتواصلة
دون أن يكبح أحد جماحه…
ولحديث صديقي عن أزمته في الحب بقية،،،
وقد تركته يعيش مع فيروز وكلمات أغنيتها
الرقيقة الساحرة، “خايف أقول اللي في قلبي“.
ختامها شعر
قصيدة بعنوان "حيرة" لأسامة الأديب
كتبت هذه القصيدة في 8 أبريل 2011
فندق حورس – كورنيش النيل – المنيا
حـيـــرة
****
يا مركبة في بحر هايج رايحة فين
وانت قدامك بدل الطريق… طريقين
والعقل ثابت.. فوق دفته.. مختار اليمين
والقلب عاند، واختار الشمال مرتين؟
***
يا مركبة ليه تخرجي وفوق رياستك ريسين
تتوزعي ما بين آرائهم، واحد شمال والتاني يمين
وانا في بحرك.. عايش كما .. الغرقانين
واصف ملامحك، للأرض وللسما
مرسومة فوق توب أسود حزين … حزين؟
***
يا مركبة الوقت فات، ع الحيرة دي من سنين
ياللا اصحي بقى من السبات، طالة عليك بدل العين.. ألف عين
يمين شمال، شمال يمين.. مش ممكن يتجمعوا الاتنين
ولا ممكن تفضلي واقفة في شطك
مربوطة بحبل الخوف الإيدين
***
يا مركبة في البحر سؤال
إجابته مش هي الأنين
ولا ميت ألف واحد قال وقال
هتسمعي لمين منهم ولا لمين؟
يا مركبة كفاية ارتجال
واختاري ياللا ما بين الطريقين
وحددي ف إجابتك ليه الرحال
وفين ولمين، ومع مين
واوعي ف حياتك تخافي السؤال
من خاف تعب، وشرب
بدل المر… مرين
يا مركبة .. يا مركبة
الكاتب/ أسامة الأديب
المقال تم كتابته في أسيوط – 30 يوليو 2022
اقرأ أيضًا
رُعب ... قصة قصيرة لأسامة الأديب
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا