أطفال بلا خصوصية في زمن اللايكات والمشاهدات

استغلال الأطفال في السوشيال ميديا: أطفال بلا خصوصية في زمن اللايكات والمشاهدات

 

أطفال بلا خصوصية في زمن اللايكات والمشاهدات، استغلال الأطفال في السوشيال ميديا: كيف يتحول الآباء والأمهات في مصر إلى طرف في جريمة اتجار بالبشر
المقال بقلم أ. إلهام محمود المحامية واستشاري حقوق الطفل 

كيف يتحول بعض الآباء والأمهات في مصر إلى طرف في جريمة اتجار بالبشر عبر السوشيال ميديا؟

في السنوات الأخيرة، تصاعدت في مصر ظاهرة استغلال الأطفال عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يقوم بعض الآباء والأمهات بتصوير أبنائهم ونشر تفاصيل حياتهم الخاصة، أو لحظات ضعفهم ومعاناتهم، بهدف جذب المشاهدات وتحقيق أرباح مالية أو شهرة رقمية، دون إدراك أن ما يُقدم على أنه “محتوى عائلي” قد يشكل انتهاكًا جسيمًا لحقوق الطفل وجريمة معاقب عليها قانونًا.

أمثلة واقعية من الواقع الرقمي

خلال الأشهر الماضية، انتشرت مقاطع فيديو لأطفال يتم تصويرهم أثناء البكاء أو التعرض للعقاب أو السخرية، وأحيانًا أثناء المرض أو الفقر، أو في محتوي مبتذل مع تعليقات تحفّز التفاعل مثل: "شوفوا رد فعله" أو "ده بيعمل كده كل يوم". وفي حالات أخرى، ظهر أطفال يتم دفعهم لترديد ألفاظ أو تمثيل مشاهد غير مناسبة لأعمارهم، بينما تتزايد أعداد المشاهدات والإعلانات على حسابات أولياء أمورهم.

وفي مثال آخر، جرى تداول مقاطع لأطفال يعملون بشكل غير مباشر في الترويج لمنتجات أو صفحات، دون أي ضمانات لحقوقهم المالية أو النفسية، في صورة حديثة من عمالة الأطفال الرقمية التي لا تختلف في جوهرها عن أشكال الاستغلال التقليدية.

هذه الوقائع، وإن بدت للبعض عادية أو “منتشرة”، إلا أنها تعكس نمطًا متكررًا من تعريض الأطفال للانتهاك العلني مقابل مكاسب للبالغين.

الإطار القانوني في مصر: أين تقع الجريمة؟

وفقًا للقانون المصري، فإن هذا السلوك لا يندرج فقط تحت سوء الاستخدام الأسري، بل قد يصل إلى جريمة مكتملة الأركان.

·  قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 والمعدل بالقانون 126 لسنة 2008 ينص على حق الطفل في الحماية من جميع أشكال العنف أو الإساءة أو الاستغلال، بما في ذلك الاستغلال الاقتصادي أو الإعلامي.

· المادة 80 من الدستور المصري تؤكد التزام الدولة بحماية الطفل من كافة أشكال العنف والاستغلال، وضمان مصلحته الفضلى.

·   أما قانون مكافحة الإتجار بالبشر رقم 64 لسنة 2010، فيُعرّف الإتجار بالبشر بأنه استغلال شخص، وخاصة إذا كان طفلًا، بأي صورة، بما في ذلك استغلال حالة الضعف أو الولاية لتحقيق منفعة مادية أو معنوية.

وبموجب هذا التعريف، فإن تحقيق أرباح من نشر محتوى يستغل طفلًا نفسيًا أو اجتماعيًا أو يمس كرامته، حتى لو كان الفاعل أحد الوالدين، قد يدخل تحت وصف الإتجار بالبشر، حيث لا يُشترط استخدام القوة أو التهديد في حالة الأطفال.

البعد الاجتماعي والنفسي: ضرر ممتد

اجتماعيًا، يسهم هذا النمط من المحتوى في تكريس ثقافة تبيح انتهاك خصوصية الأطفال، وتحوّلهم إلى "وسيلة" لا "غاية". أما نفسيًا، فيتعرض الطفل لتجريد تدريجي من الإحساس بالأمان والخصوصية، ويصبح محل تقييم وسخرية وتعليقات قاسية، قد تلازمه آثارها حتى مرحلة البلوغ.

كما يفقد الطفل حقه في تكوين ذاكرة خاصة غير معروضة للجمهور، وهو حق لا يمكن استعادته بعد انتشار المحتوى رقميًا.

الوعي الغائب والمسؤولية القائمة

غياب وعي بعض الأهالي بالقانون لا يبرر الجريمة ولا ينفي المسؤولية. فالولاية القانونية لا تمنح الحق في الاستغلال، بل تُحمّل الأهل واجب الرعاية والحماية. ويُعد استخدام الطفل كأداة للربح أو الشهرة إخلالًا جوهريًا بهذا الواجب.

مسؤولية جماعية لمواجهة الظاهرة

التصدي لهذه الظاهرة يتطلب:

·  تفعيل القوانين القائمة وعدم التساهل في تطبيقها.

·  دورًا أكثر فاعلية للمجلس القومي للطفولة والأمومة.

·  سياسات واضحة من منصات التواصل لحماية الأطفال.

·  حملات توعية مجتمعية تشرح للأسر أن “الترند” قد يكون جريمة.

·  علي الدولة دعم إدارة مباحث الانترنت والنيابة بأعداد أكثر من ضباط الشرطة ووكلاء النيابة  

خاتمة

في العصر الرقمي، لم يعد الاستغلال مقصورًا على الشارع أو أماكن العمل، بل انتقل إلى الهواتف المحمولة داخل البيوت. وما لا يدركه كثيرون أن الفيديو الذي يجلب الإعجابات اليوم، قد يصبح غدًا دليل إدانة.
فالطفل ليس محتوى، ولا مشروع ربح، بل إنسان له حقوق مصونة بالقانون والدستور
.

اقرأ أيضًا

زواج الطفلات... مشكلة هل يوجد لها حل؟

"مراكب الموت" تسرق أحلام الصغار: صرخة في وجه الهجرة غير الشرعية

العنف ضد الأطفال…سياسات الحماية ضرورة ملحة!

حماية الطفولة أولاً: إضاءات على إجراءات تنفيذ الأحكام ودور المراقب والخبير الاجتماعي في قضاء الطفل

التحقيق مع الطفل بين الحق في الدفاع والرعاية القانونية



تعليقات

إرسال تعليق

هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا