التحقيق مع الطفل بين الحق في الدفاع والرعاية القانونية
في المقال السابق تناولنا الخطوة الأولى من
سير الإجراءات الجنائية مع الطفل الجاني، وهي مرحلة القبض والتحقيق في قسم
الشرطة. وفي هذا المقال نستكمل الخطوة الثانية من هذه الإجراءات، وهي التحقيق
مع الطفل أمام نيابة الطفل، وهي مرحلة بالغة الأهمية كونها تمثل المفصل بين
جمع الاستدلالات واتخاذ قرار النيابة بشأن مصير الطفل.
بقلم/ أ. إلهام محمود - المحامية واستشاري حقوق الإنسان
عرض الطفل على النيابة العامة
بعد انتهاء التحقيقات الأولية في قسم
الشرطة، وخلال مدة لا تتجاوز 24 ساعة، يتم إحالة الطفل وملف قضيته إلى نيابة
الطفل للتحقيق معه.
ويهدف هذا التحقيق إلى تحديد مدى مسؤولية
الطفل الجنائية عن الفعل المنسوب إليه، مع ضمان حصوله على الحماية القانونية
والنفسية التي نص عليها قانون الطفل المصري وفقًا لمبدأ مصلحة الطفل
الفضلى.
حق الطفل في المساعدة القانونية
يُعد حق الطفل في الحصول على مساعدة
قانونية أثناء التحقيق أحد الحقوق الأساسية التي كفلها له قانون الطفل رقم
12 لسنة 1996 المعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2008، والاتفاقية الدولية لحقوق الطفل.
ويتمثل هذا الحق في النقاط التالية:
- وجوب حضور محامٍ مع الطفل أثناء التحقيق لشرح ما يجري له بطريقة تتناسب مع عمره.
- التزام النيابة باستدعاء محامٍ من نقابة المحامين أو من الجمعيات الأهلية المختصة قبل بدء التحقيق إذا لم يكن للطفل محامٍ.
- تتحمل الدولة تكاليف المساعدة القانونية في حال عدم قدرة الأسرة على توكيل محامٍ.
- تمكين المحامي من الاطلاع على ملف الدعوى ومناقشة الطفل بحرية دون ضغط أو تهديد.
- ضمان أن يكون التحقيق وسيلة للإصلاح والتقويم لا للعقاب، وبما يتفق مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
- إن المساعدة القانونية ليست مجرد إجراء
شكلي، بل هي ركيزة أساسية لضمان العدالة وحماية الطفل من أي استغلال أو
إساءة.
ما هي نيابة الطفل؟
تم إنشاء أول نيابة مختصة بالأطفال في مصر
عام 1921، ثم تطورت مهامها مع صدور قانون الطفل المعدل سنة 2008 لتشمل
أيضًا التعامل مع الأطفال المعرضين للخطر، وليس فقط المخالفين للقانون.
وفي عام 2020 صدر القرار رقم 85 بإنشاء مكتب
حماية الطفل بإدارة التفتيش القضائي بمكتب النائب العام، وتوسع اختصاصه في عام
2024 بصدور القرار رقم 517 ليشمل أيضًا الأشخاص ذوي الإعاقة، بالتنسيق مع
خط نجدة الطفل والجهات الوطنية المختصة.
وتتضمن اختصاصات مكتب حماية الطفل ما يلي:
- الإشراف على نيابات الطفل ومتابعة أعمالها ورصد
المشكلات العملية التي تعترضها
ووضع المقترحات اللازمة لحلها.
- مراجعة القضايا والأحكام القضائية في الدعاوى التي يكون الطفل طرفاً فيها وكذلك متابعة الاشراف
على تنفيذ الأحكام التي تصدر من محاكم الطفل.
- التفتيش على المؤسسات العقابية ومؤسسات رعاية وتأهيل الأطفال بما في ذلك مؤسسات الإبداع أو
اقتراح تكليف النيابات المختصة بتفتيشها، وذلك للتأكد من مطابقة ما يتخذ من
إجراءات بشأكم للقانون والتأكد من عدم إحتجازهم مع البالغين.
- تلقى الشكاوى والبلاغات المتعلقة بتعرض الطفل للخطر
المحدق وفحصها واتحاد اللازم بشأنها.
- اتخاذ تدابير حماية الطفل في الوقائع التي يتعرض فيها للعنف أو الخطر أو
الإهمال أو الإستغلال وإخطار خط نجدة الطفل بها حتى يتسنى تقديم الدعم والحماية
اللازمة له ومتابعة ذلك حتى انتهاء حالة التعرض للعنف أو الإستغلال وغيرها من
حالات التعرض للخطر المحدق، والتنسيق والمتابعة مع النيابات المختصة لاستصدار
القرارات اللازمة لذلك.
- التنسيق والمتابعة مع المجلس القومى للطفولة
والأمومة وغيره من الجهات الوطنية
المختصة بحماية الطفل بشأن إتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز ودعم تلك الحماية.
- متابعة قضايا إختفاء الأطفال أو العثور عليهم
والتصرف فيها وإعداد سجل لقيدها.
- متابعة استخراج الأوراق الثبوتية للأطفال المودعين بمؤسسات الإبداع أو المعرضين للخطر والتنسيق مع النيابات المختصة لاستصدار القرارات ومتابعة الإجراءات اللازمة لذلك.
قرارات النيابة في قضايا الطفل
عند إحالة محضر الطفل إلى النيابة، فإنها
تصدر قراراتها بشأن أمرين:
أولًا: التصرف في الطفل نفسه
قد تقرر النيابة أحد الإجراءات التالية:
- تسليم الطفل إلى ولي أمره.
- إيداعه إحدى دور الملاحظة مؤقتًا.
- إخلاء سبيله.
- أو حبسه احتياطيًا على ذمة التحقيق، وفقًا لسن الطفل
ودرجة خطورة الواقعة.
وقد نصت المادة 119 من قانون الطفل
على أنه:
"لا يُحبس احتياطيًا الطفل الذي لم يجاوز خمس عشرة سنة، ويجوز للنيابة العامة إيداعه إحدى دور الملاحظة لمدة لا تزيد على أسبوع، ويُعرض عند كل طلب ما لم تأمر المحكمة بمدها وفقًا لقواعد الحبس الاحتياطي في قانون الإجراءات الجنائية."
ويجوز بدلًا من ذلك تسليم الطفل إلى أحد
والديه أو من له الولاية عليه، مع الالتزام بتقديمه عند كل طلب.
ثانيًا: التصرف في أوراق الدعوى
ويتخذ أحد القرارين التاليين:
- حفظ الأوراق أو
التقرير بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية.
- أو إحالة القضية إلى محكمة الطفل للمحاكمة.
وتلزم المادة (127) من قانون الطفل أعضاء
النيابة بعدم التصرف في الدعوى قبل إعداد ملف فحص اجتماعي شامل للطفل
بمعرفة المراقبين الاجتماعيين، يتضمن الجوانب التعليمية والنفسية والعقلية
والاجتماعية، لضمان اتخاذ القرار الأنسب لمصلحة الطفل.
خاتمة
تمثل مرحلة التحقيق في النيابة نقطة التوازن
بين حماية المجتمع وضمان حقوق الطفل.
فهي ليست فقط مرحلة قانونية، بل محطة إنسانية
تهدف إلى تصحيح السلوك وإعادة التأهيل.
وفي المقال القادم من سلسلة (طفلي والقانون)،
سنتناول الخطوة الثالثة من سير الإجراءات الجنائية مع الطفل الجاني: "إحالة
الطفل إلى محكمة الطفل والتدابير التربوية الاجتماعية."
اقرأ أيضًا
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا