العدالة التصالحية: فرصة ثانية للأطفال لبناء مستقبل خالٍ من الجريمة
بقلم: أ. إلهام محمود
|
في الوقت الذي تتزايد فيه التحديات المرتبطة بجنوح الأطفال، تبرز العدالة التصالحية كمنهجية أنسانية بديلة عن العقوبات التقليدية السالبة للحرية، تسعى إلى حماية حقوق الضحايا من جهة، وضمان إعادة تأهيل الأطفال الجناة ودمجهم في المجتمع من جهة أخرى حتى يكون هناك تراضي بين الطرفين ولا يكون مكان للانتقام والضغينة.
يقوم هذا النهج على جمع الأطراف المعنية – الطفل الجاني طفل او
طفلة، الضحية طفل او بالغ، والأشخاص المحيطين بهم – في جلسة حوارية بإشراف أخصائي
اجتماعي مدرَّب، لحل الأمور المترتبة عن الجريمة بعيداً عن اللجوء للمحكمة للتوصل
إلى اتفاق عادل يحقق جبر الضرر للضحية ويُلزم الطفل الجاني بتحمّل مسؤولية أفعاله.
نهج العدالة التصالحية للأطفال يمكن تطبيقه في جميع مراحل عملية التقاضي لعدالة
الأطفال في مرحلة التحقيق قبل المحاكمة وبعد المحاكمة والافراج المبكر(المشروط)
بعد المحاكمة.
وأهمية العدالة التصالحية تكمن في:
1. حماية
النمو النفسي والاجتماعي للطفل: من خلال تجنّب وصمة السجن أو العقوبات
القاسية التي قد تدمر شخصيته.
2. منع
التكرار: إذ تساعد الطفل على فهم خطأه وتحمل
المسؤولية، مما يقلل من احتمال ارتكاب جرائم جديدة.
3. إتاحة
فرصة ثانية: تمنحه إمكانية إصلاح سلوكه وبناء مسار حياة أفضل.
4. تعزيز
الثقة والعلاقات: إذ تعيد بناء جسور الثقة مع أسرته ومجتمعه، مما يهيئ بيئة داعمة لنموه.
5. المساهمة
في مستقبل أكثر استقراراً: فالطفل الذي يتم إدماجه بشكل سليم يصبح فرداً منتجاً وفاعلاً في
المجتمع بدلاً من أن يكون عبئاً عليه.
توصيات دولية
دولياً، أوصت لجنة حقوق الطفل في 15 يوليو 2011 بضرورة جعل الحرمان من
الحرية ملاذاً أخيراً، والاعتماد على بدائل مثل التحويل، الوساطة، الخدمة المجتمعية،
أو المراقبة، بما يتماشى مع اتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها مصر عام 1990.
هذه التدابير لا تخدم مصلحة الطفل فقط، بل تصب أيضاً في مصلحة المجتمع على المدى
الطويل، من خلال تقليل التكاليف وتعزيز الأمن الاجتماعي وتقليل معدل الجريمة.
العدالة التصالحية في السياق المصري
ومع ذلك، لا تزال العدالة التصالحية تواجه تحديات في السياق المصري،
من بينها عدم وجود قانون ينص على العدالة التصالحية كأحد التدابير المجتمعية، نقص
الإحصاءات، غياب التدريب الكافي للمهنيين، وعدم احترام مشاركة الطفل الكاملة في
اتخاذ القرار. كما أن بعض الممارسات الحالية تقتصر على اتفاقات مالية (تعويض مالي)
وفقا لقانون الإجراءات الجنائية رقم 74 لعام 2007، يبدو أن المصالحة اتفاق
مالي بحت، بما قد ينطوي على تمييز ضد الأطفال ذوي الخلفيات الفقيرة والأطفال
المحرومين من الرعاية الأبوية أو الأسرية. وعلاوة على ذلك، فإن الخيارات المالية فقط
لا تساهم في إعادة الإدماج للأطفال وإعادة تأهيلهم ولا تمنع الجرائم، وهو ما يتعارض مع المعايير الدولية التي
تركز على الموافقة المستنيرة، المشاركة الفعالة، وتحمل المسؤولية.
ختامًا
إن الاستثمار في برامج العدالة التصالحية ليس فقط خطوة نحو حماية الطفل وتأهيله، بل هو استثمار في مستقبل مجتمع أكثر أمناً وإنصافاً، حيث
تتحقق العدالة عبر الإصلاح والمصالحة لا عبر العقاب وحده.
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا