العنف ضد الأطفال…سياسات الحماية ضرورة ملحة!
شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأشهر الأخيرة موجة غير مسبوقة من
القضايا المتعلقة بالعنف ضد الأطفال، ما أعاد فتح النقاش العام حول أسباب تفاقم
هذه الظاهرة، وأنواعها، وحدود المسؤولية الاجتماعية والقانونية تجاه حماية الفئات
الأكثر هشاشة في المجتمع. فبين قصص الاعتداء الجسدي، والممارسات المهينة، والإهمال
المتعمد، وصولًا إلى العنف النفسي والتنمر الإلكتروني، بات الطفل في قلب صراع
اجتماعي مكشوف تم بث تفاصيله لحظة بلحظة أمام جمهور الملايين.
بقلم أ. إلهام محمود - المحامية واستشاري حقوق الإنسان
انتشرت مؤخرًا قضايا لأطفال يتعرضون للعنف داخل المنازل، أو من قبل أشخاص مكلفين برعايتهم، أو في بيئات عمل غير قانونية. هذه القضايا – رغم قسوتها – لعبت دورًا مهمًا في كشف حجم المشكلة،
وأظهرت نماذج متعددة من العنف:
· الضرب المبرح باعتباره "أسلوب تربية"، رغم
مخالفته للقوانين والمعايير النفسية الحديثة.
· الإيذاء النفسي عبر الإهانة، والسخرية، والتحقير المتكرر.
· الإهمال داخل الأسرة أو من مقدمي الرعاية، والذي
قد يصل إلى مستوى الخطر الجسيم.
· الاستغلال الاقتصادي عبر تشغيل الأطفال
في ظروف قاسية.
· العنف الرقمي من خلال التنمر عبر الإنترنت، أو نشر
مقاطع استغلالية للأطفال دون وعي بعواقب ذلك.
· الايذاء الجنسي وهو يشمل أي سلوك يهدف
إلى إثارة الرغبة الجنسية لدى المعتدي، حتى لو لم يتضمن تلامسًا جسديًا مباشرًا
ويُعد هذا النوع من أخطر أنواع العنف لأنه يترك آثارًا نفسية وجسدية طويلة
الأمد علي الطفل/ة ، وقد يحدث داخل الأسرة أو خارجها.
لماذا يتفاقم العنف ضد الأطفال؟
يرجع تفاقم هذه الظاهرة إلى مجموعة من العوامل المتشابكة:
1. ضعف الرقابة على أماكن تواجد
الأطفال
مع غياب سياسات حماية الطفل التي تحدد السلوكيات
المقبولة وغير المقبولة في التعامل مع الأطفال وفقا للاتفاقيات الدولية وقانون الطفل
المصري والقرارات الوزارية.
2. قصور تنفيذ القوانين رغم وجودها لان آليات تطبيقها ضعيفة، وجود
ثغرات قانونية تسمح لمرتكبي العنف بالإفلات من العقاب.
3. ضعف آليات التبليغ والحماية في ظل غياب خطوط ساخنة فعالة وعدم معرفة الناس بوجودها خوف المبلِّغ من تدخلات
اجتماعية أو ردود انتقامية.
4. عدم وجود نظام متكامل للتعامل مع حالات
العنف، انعدام التنسيق بين الشرطة، والنيابة، والطب الشرعي، والحماية
الاجتماعية، تأخر التدخل يعرّض الطفل لمزيد من الإيذاء.
5. نقص التدريب المتخصص للعاملين في مجال حماية الطفل من قانونيين واخصائيين اجتماعيين ونفسيين ولجان حماية الطفل فبعضهم غير
مؤهلين لرصد العنف أو التعامل مع الضحايا، وغياب البرامج المتخصصة لكشف الإيذاء
المبكر.
6. غياب الوعي الاسري بالبدائل التربوية غير العنيفة، وأساليب التهذيب
الإيجابي، عدم وجود حوار بين الوالدين والأطفال، انشغال الوالدين عن الأبناء أو
تركهم لفترات طويلة دون رعاية
7. تأثير السوشيال ميديا من حيث تداول مقاطع العنف دون مراعاة لخصوصية
الأطفال، والتطبيع مع العنف عبر المحتوى المرئي أو الألعاب الإلكترونية.
وبالرغم من أن منصات التواصل الاجتماعي أسهمت بشكل واضح في كشف الانتهاكات وتحريك الرأي العام، ما دفع السلطات القانونية والاجتماعية للتحرك السريع في كثير من الحالات. ولكن في المقابل،
حملت السوشيال ميديا مخاطر أخرى:
· نشر مقاطع لأطفال ضحايا قد يعرضهم لصدمة ثانية.
· تداول معلومات غير دقيقة أو منزوعة من سياقها.
· تحويل بعض القضايا إلى "ترند" على حساب صحة الأطفال النفسية.
الإطار القانوني… بين النص والواقع
تتضمن القوانين المصرية والتشريعات الدولية – مثل اتفاقية حقوق الطفل – نصوصًا واضحة تحظر العنف بأشكاله كافة، وتجرّم الاستغلال، وتُلزم المجتمع والدولة بحماية الأطفال.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في:
· تفعيل آليات التبليغ.
· حماية المبلِّغين.
· توفير فرق تدخّل سريعة ومؤهلة.
· رفع وعي الأسر بحقوق أبنائها وآليات التبليغ.
· رفع وعي الأطفال بسياسات الحماية واللمسة الامنة وغير الامنة وآليات
التبليغ في أماكن تواجدهم سواء كانت المدرسة، النادي، مركز الشباب .... الخ.
لذا علينا جميعا كمجتمع مدني وجهات ومؤسسات دينية و وطنية العمل لمواجهة موجة العنف المتصاعدة ضد الأطفال من خلال:
1. إطلاق حملات توعية حول التربية الإيجابية.
2. تعزيز دور المدارس في توعية الأطفال
وتفعيل سياسات حماية الطفل لرصد المشكلات مبكرًا ولتكون المدرسة بيئة الامنة على
الاطفال.
3. تقوية شبكات الحماية الاجتماعية عبر خطوط ساخنة فعالة ووحدات تدخل عاجل.
4. تطوير برامج دعم نفسي للأطفال وأسرهم.
5. تجريم نشر مقاطع تظهر أطفالًا ضحايا تظهر هويتهم ودون إذن رسمي.
6. تشجيع المجتمع المدني على رصد وتوثيق
الانتهاكات.
الخلاصة
العنف ضد الأطفال لم يعد حدثًا فرديًا أو حالة معزولة، بل ظاهرة
تستدعي مواجهة واسعة. وما يظهر على السوشيال ميديا اليوم ليس مجرد قصص صادمة، بل إنذار
واضح بأن حماية الطفل وسياسة حماية الأطفال لم تعد خيارًا، بل ضرورة ملحّة
لحماية مستقبل المجتمع ككل.
اقرأ أيضًا
حماية الطفولة أولاً: إضاءات على إجراءات تنفيذ الأحكام ودور المراقب والخبير الاجتماعي في قضاء الطفل
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا