لا تتصدّق عليَّ بحقوقي
| بقلم/ يوستينا ألفي |
ليس كل ما يُعطى يُعدّ عطاءً كريمًا،
فثمة فرق دقيق وعميق بين أن يُنصف الإنسان في حقه، وبين أن يُمنح هذا الحق وكأنه هبة أو صدقة. فالحقوق لا تُستجدى، ولا ينبغي لها أن تُقدَّم في هيئة منّة، لأن ما هو حق بطبيعته يفقد معناه حين يُعطى وكأنه فضل.
أقسى ما قد يشعر به الإنسان ليس فقط أن يُحرم من حقه، بل أن يضطر إلى المطالبة به مرارًا، وكأنه يطلب ما لا يستحق. يقف حينها في موقف الدفاع عن أمر بديهي، يشرح ويبرر ويعيد الحديث نفسه، بينما داخله يعلم جيدًا أن العدالة لا تحتاج إلى كل هذا الجهد كي تتحقق.
وفي لحظة ما، قد يُعاد الحق إلى صاحبه،
لكن بطريقة تحمل في طياتها شعورًا خفيًا بالمنّة؛ كلمات تُقال ببرود أو بتفضل: "تفضل، خذ ما تريد". عندها لا يشعر الإنسان بالإنصاف بقدر ما يشعر بأن كرامته قد وُضعت في اختبار قاسٍ. فالقيمة الحقيقية للحق لا تكمن فقط في الحصول عليه، بل في الطريقة التي يُعاد بها.
في العلاقات الإنسانية، وفي بيئات العمل، وحتى داخل الأسر، تتكرر هذه المواقف أكثر مما نتصور. يُطالب الإنسان بالتقدير أو الاحترام أو الاعتراف بجهده، فيُقابل أحيانًا بالتجاهل أو التأجيل، وكأن العدل قرار يمكن منحه أو منعه بحسب المزاج.
غير أن العدالة في جوهرها ليست فضلًا يُمنح، بل مسؤولية يجب أن تُؤدّى. فالإنسان حين ينال حقه لا ينبغي أن يشعر بالامتنان، لأن الامتنان يكون على العطاء، لا على العدل.
ولهذا، حين يقول أحدهم: "لا تتصدّق عليّ بحقوقي"، فإنه لا يعبّر عن غضب عابر، بل عن وعي عميق بقيمة الكرامة الإنسانية. إنه يرفض أن يتحول الحق إلى منّة، وأن يُختزل العدل في لحظة عطاء متفضّل.
فالإنسان قد يقبل أن يُحرم من أشياء كثيرة في الحياة، لكنه يصعب عليه أن يقبل أن يُعامل حقه وكأنه صدقة. لأن الكرامة، في نهاية الأمر، لا تتجزأ… والحق يبقى حقًا، حتى لو تأخر.
اقرأ أيضًا
حين ترتدي النرجسية ثوب الأنوثة
بين الصحراء، والبحر... أنا الأخرى
بانش والدمية: حين يبحث الصغير عن أمانه
اترك أثرًا… فالعمر يُقاس بما نمنحه لا بما نأخذه
المُعْمى بسوء النية لا يستحق عناء التبرير
سندريلا... ونسب الطلاق العالية
الكلام سهل… الذي يعيش هو الفعل
لا تحاكم الناس بآذانك… بل بعقلك وتجربتك
لا تُطارِد الفراشة… أصلِح حديقتك!
معرض الكتاب وذكريات من زمن فات...
أن تُطفئ من حولك… لا يعني أنك ستظهر
المقارنة تسرق الحياة… والخروج منها إنقاذ
ميكي ماوس (Mickey Mouse): الفأر الذي علّم العالم كيف يبتسم
علي الزيبق (Ali Al-Zibaq): بطل الحيلة والذكاء في مواجهة القهر المملوكي
السيرة الهلالية (The Hilali Epic): ملحمة العرب الكبرى بين التاريخ والخيال الشعبي
جحا (Juha): الحكيم الذي اختبأ خلف قناع السخرية
ألف ليلة وليلة: حين أنقذت الحكايةُ العالم من السيف
موليير… المسرحي الذي فضح الإنسان وهو يضحك
فولتير… الكاتب الذي حوّل الكلمة إلى سلاح ضد الظلام
طاغور: شاعر الإنسانية الكونية وصوت الشرق الذي خاطب العالم
سقراط (Socrates): حكيم أثينا الذي علّم الإنسانية كيف تفكّر قبل أن تتكلم
ضمير الدراما المصرية: أسامة أنور عكاشة وسرد الحلم والواقع في وجدان العرب
ماري منيب: سيدة الكوميديا الصارمة… حين تحوّلت الأم المتسلطة إلى أيقونة للضحك المصري
ماعت (Ma’at): الإلهة التي حوّلت العدالة إلى نظام كوني يحكم الآلهة والبشر
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا