تأثير الصداقة الجيدة على الصحة النفسية
لا شك أن الصداقة هي
قيمة ومعنى جميل، وأن مقولة "الصديق وقت الضيق" التي حفظناها كشعار قد اختبرها
الكثير منا في حياته وفي ضيقاته. أو في حياة غيره وفي ضيقاتهم. حيث أن الضيقات
والمشكلات هي أكثر الظروف الحياتية التي تؤكد وتساعد في إثبات قيمة الصداقة وإظهار
حقيقة الصديق. يقال أيضًا أن، "الصديق
هو ذلك الأخ الذي لم تلده لك أمك".
والذي جرب الصداقة وحاباه الله بصديق حقيقي سوف يجد أنه أكثر مما
تعلنه هذه المقولة. فالصديق الحقيقي ربما يكون أكثر من الأخ وأعز من كثير من
الأقارب. وهو تصدق فيه مقولة أن "الصديق
مرآة صديقه".
حيث أن الإنسان وصديقه يكونا شخصًا واحدًا إذا رأيت أحدهما كأنك رأيت
الآخر.
ولأهمية موضوع الصداقة، قد أجريت الكثير من الدراسات منذ فلاسفة
اليونان القدامى والمشهورين وحتى اليوم. دراسات ناقشت ولاحظت واستنتجت وأكدت على
أهمية الصداقة، وعلى دورها في الصحة النفسية والبدنية والعقلية لمن يحظون بها.
جنبًا إلى جنب مع الفوائد الكثيرة الأخرى والخاصة بالحياة الاجتماعية والعائلية
والاقتصادية.
ولسوف نستعرض لك هنا عزيزي قارئ مدونة بذور بعض ما
قالته الدراسات حول موضوع الصداقة. وكيف تم ربطها بموضوع الصحة النفسية والبدنية
للإنسان بقدر من الإيجاز غير المخل بالمعنى. ونرجو أن تتابعنا فيما ننشره دائمًا
حول التأثيرات الإيجابية للعلاقات الاجتماعية السليمة على أحوال وعلى صحة الإنسان
النفسية والبدنية.
مفهوم الصداقة
في كتابه المسمى بـ "علم الأخلاق إلى نيكوماخوس" سجل الفيلسوف اليوناني الشهير أرسطو تعريفه حول مصطلح "الصداقة" وقال أن،
الصداقة هي حد وسط بين خلقين، فالصديق هو الشخص الذي يعرف كيف يكون مقبولاً من الآخرين كما ينبغي. أما الشخص الذي يبالغ حتى يكون مقبولاً لدى الجميع إلى الدرجة التي تجعله لا يعارض في أي شيئ حتى لا يسيئ إلى الآخرين فهو المساير. وذلك إن كان يفعل هذا بدون سعي إلى منفعة شخصية وإنما لولعه بالإرضاء. أما إن كان يهدف من مسايرته إلى مصلحة شخصية فهو المتملق.
فالصداقة هي شعور بالقبول بين فردين أو بين عدد من الأفراد الذين
يطلقون على أنفسهم “أصدقاء”. وهو قبول غير مشروط إلا بوجود العاطفة، والاهتمامات
المشتركة ومدة من الزمن "تاريخ" مشتركة بين الأصدقاء لتكوين ذكريات لمواقف إنسانية
واجتماعية تشاركوا فيها وأثرت في وجدانهم بالإيجاب.
فوائد "الصداقة" حسبما أفادت به الدراسات الإنسانية والنفسية والاجتماعية
في دراسة أجرتها بعض المراكز البحثية الكندية، تم إثبات أن وجود صديق
مقرب للإنسان يساعد في أن يتمتع بصحة نفسية وصحة جسمانية/ بدنية جيدة. ففي وقت
الضيق، وحين تجد بجوارك الشخص الصادق الصديق حسبما أفادت هذه الدراسة. فإن جسمك
يبدأ بالتعامل مع الضغوط النفسية التي يتعرض لها أثناء الضيقات وأثناء الأزمات
بشكل وبصورة أفضل كثيرًا.
ومن جامعة كونكورديا الكندية، أعلن الباحث ويليام بيكوسكي التالي،
"لقد درس العلماء تأثير الصداقة على سلوك ومشاعر الأطفال، والآن نريد أن نرى مدى التغير الذي يحدث في محاور الصحة التي تتضمن منطقة سرير المخ والغدة النخامية والكظرية عندما يتعرض الشخص لضغوط ما بينما هناك صديق إلى جوارك".
وذلك بعد أن قام مع فريقه بقياس مستوى ضخ الأدرينالين ومستوى
الأنسولين في جسم الأطفال في المواقف المختلفة. على مدار عدد من الأيام تحت الضغوط
عند وجود صديق بجوارهم وقت الأزمات أو في حالة عدم وجوده.
وقد تبين من هذه الدراسة أن الطفل حينما يواجه أزمة أو مشكلة ما ويكون
وقتها وحيدًا دون صديق يجاوره ويسانده. فإنه يعاني من النقص في الشعور بقيمته
الذاتية حتى وإن حدثت لديه بعض من الزيادة في الهرمونات المسببة للتكيف. بينما
يحدث العكس لدى الأطفال حين يكون بصحبتهم أصدقائهم الذين يمدونهم بالطاقة للتحمل
ومواجهة الأزمات والصعاب.
وقد نصح الباحث نتيجة البحث الذي أجراه مع فريقه حول تأثير الصداقة
على الصحة النفسية. بأنه على الآباء والأمهات والتربويين إذا ما أرادوا أن يساعدوا
أطفالهم. أن عليهم أن يقوموا بتعليمهم كيف يمكنهم أن يكونوا أصدقاء جيدين للآخرين
من ناحية، وكيف يمكنهم اختيار الأصدقاء الجيدين لهم من ناحية أخرى.
ويمكن تلخيص الفوائد الصحية الكثيرة للصداقة من خلال النقاط التالية:
- وجود الأصدقاء يساعد في تحسين الصحة الجسدية
بشكل عام. فالأصدقاء الجيدين سوف يمنعونك عن ممارسة العادات غير الصحية مثل
تناول المشروبات الكحولية أو القيام بالتدخين وصلاً إلى التعاطي. ولا يشجعونك
عليها على الإطلاق خوفًا على صحتك، وعلى سيرتك الذاتية وصورتك أمام الآخرين
لأنها تمثلهم مثلما تمثلك بالضبط. فكما سبق وقلنا أن، "الصديق مرآة صديقه".
- الصداقة والأصدقاء يقدمون دائمًا دعمًا
نفسيًا واجتماعيًا للمرضى من أصدقائهم. وهذا يساعد في الإسراع بالشفاء
والتعافي. وقد تم نشر دراسة في مجلة خاصة بمرض السرطان “مجلة Cancer” أفادت بأن المصابات بمرض سرطان المبيض في
المراحل المتقدمة منه. أظهروا تحسن في كفاءة العلاج الكيميائي الذي يتلقونه
نتيجة وجود أصدقائهم حولهم وما يقدمونه لهم من دعم اجتماعي ونفسي.
- وجود الأصدقاء حولك يعزز من مناعتك، ويزيد
من عمرك. فالدراسات المختلفة أشارت إلى أن من يمتلكون عدد أقل من الأصدقاء
يكونون على أهبة الاستعداد للإصابة بالأزمات القلبية والموت المبكر أكثر من
هؤلاء الذين يمتلكون أصدقاء كثيرين جيدين. يتفاعلون معهم ويتواصلون ويساندونهم.
- الصداقات الجيدة تساعد في تحمل الأزمات
والضغوطات التي يمر بها الإنسان. فوجود الصديق الجيد ومساندته تعزز قوة
احتمال الإنسان للألم سواء كان ألمًا نفسيًا أو فسيولوجيًا.
- الأصدقاء وجودهم يساعد في الإسراع
بالاستشفاء من أي صدمات نفسية أو صدمات عاطفية. كما أنهم يعينون في التغلب
على “اضطرابات ما بعد الصدمات”. خصوصًا الصدمات النفسية والعاطفية والخسارة
في العلاقات الاجتماعية مثل حالات الطلاق أو حالات الفقدان لعزيز أو حبيب.
هل دائمًا الأصدقاء مصدر قوة؟
أحيانًا يكون بعض الأصدقاء هم مصدر
ضعف، خاصةً الأصدقاء غير الجيدين. فهناك من يمكن أن نطلق عليهم "أصدقاء السوء"
الذين يدفعون أصدقائهم للفشل، وللجريمة، وللانتحار.
يوجد أصدقاء أيضًا يكونوا سببًا في
توتر الإنسان أكثر من طمأنته ودعمه. وذلك لأن الصديق يهتم بصديقه، فإذا كان الصديق
يتسبب في المشكلات ويؤذي نفسه ومن حوله فهو يدفع أصدقائه إلى الشعور بالتوتر
الدائم منه وعليه لأنهم يهتمون لأمره. وهذا يؤثر بالسلب على صحتهم النفسية
والجسدية بدلاً من أن يؤثر عليها بالإيجاب ويدعمها.
أخيرًا عزيزي القارئ،،،
تقول الحكمة، "اختر الصديق قبل الطريق"، فالصديق الجيد هو المعين في الطريق الصعب. وهو الأهل حين لا يوجد أهل أو تكون بعيدًا عنهم. هو حامل الأسرار المؤتمن، والذي يمكنك أن تحادثه كما تحادث نفسك وأنت مطمئن. إيمانك بأنه سوف يكون موجودًا في الوقت الصعب يعطيك دفعة وقوة للتحمل. ومن أجل المرور في طريق الحياة بسلام وأمان وحب، اختر أصدقائك بدقة. واعلم، أنه لكي تقوم بالحصول على أصدقاء جيدين، يجب أن تكون أنت لهم صديقًا جيدًا أيضًا.
اقرأ أيضًا
الفن نافذة لفهم عالم لا نراه (التوحد)
مابين جرح الرفض وعودة العلاقات
الفن والدعم النفسي يمنحان الألم صوتًا
الأقنعة النفسية... سجن غير مرئي
البيئات السامة تُحوٌلك من متأذٍ إلي متهم
الوعي الذاتي: أن تكون صديقًا لنفسك وليس خصمها
مهارات نفسية هامة للعام الجديد
الكريسماس (Christmas)… عيد الميلاد الذي يوحّد القلوب ويعبر القارات
الكريسماس، وحقائق قد لا تعرفها!
عيد الحب: جذور الاحتفال، تطوّره، وأبعاده المعاصرة
المولد النبوي في مصر والعالم العربي
صوم السيدة العذراء: ما بين الإيمان والتقوى والتاريخ
«الكينج»: صعود حمزة في عالم المال والسلاح… دراما شعبيّة تعيد تعريف الأكشن في رمضان 2026
«علي كلاي»: رحلة ملاكم من الحي الشعبي إلى قمة الدراما الرمضانية 2026
«الست موناليزا»: قصة امرأة تُعيد كتابة حياتها وسط صدمة الزواج في دراما رمضان 2026
دراما رمضان 2026: موسم تنوع وإبداع — خارطة الأعمال الرمضانية الكاملة
بطل العالم (World Champion): دراما مصرية تشويقية تكتب فصلًا جديدًا في تلفزيون 2026
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا