الأقنعة النفسية... سجن غير مرئي
بقلم/ د. هند الفقي - ماجستير
إرشاد نفسي |
"نرتدي الأقنعة لدرجة أننا ننسى، في النهاية، من نكون خلفها." - أندريه جيد
هل سبق وقمت بشيء لا يشبهك فقط لإرضاء من حولك؟
أو رسمت ابتسامة باردة بينما داخلك ممتلئ بالألم؟
في الحقيقة نحن لا نولد
بأقنعة لكن الحياة تضطرنا لارتدائها كـآليات دفاع (Defense Mechanisms) لننجو بهذا القناع الذي نظهر به أمام العالم
لكي نبدو أقوى أو ألطف أو أكثر مثالية.
كلنا نحتاج لستار يحمي
خصوصيتنا أحيانًا والقناع قد يمثل حماية مؤقتة لكن الخطر يبدأ حين يلتصق القناع بوجهك
(شخصيتك) ويصبح دائمًا لدرجة أنك
لم تعد تعرف ذاتك الحقيقية دون أن تشعر وتصبح مُنساق لما يريد الآخرون أن يروك
عليه.
أولاً: لماذا نختبئ؟
يمكن تصنيف الأقنعة النفسية حسب الوظيفة التي تؤديها في حياتنا:
أقنعة الهروب (تجنب الألم): مثل قناع الخفة والضحك
أو البرود العاطفي.
هي محاولة لفصل الوعي
عن الوجع ليصبح الضحك لغة بديلة للبكاء والبرود درعًا لمنع الشعور بالخيبة.
أقنعة الاستحقاق (تعويض النقص): مثل قناع المثالية أو
القوة.
تنشأ في بيئات لا تقبل
الفشل ليهرب الشخص من شعوره الداخلي بالخزي من خلال تصديره الإنجاز بإفراط، فيصبح
القناع هو شرط القبول.
أقنعة الانتماء (خوفاً من الهجر): مثل قناع إرضاء
الآخرين أو التضحية.
هدفه هو ضمان بقاء
الآخرين بجانبنا نحن نضحي بذواتنا الحقيقية مقابل الحصول على الأمان من خلال الذات
المزيفة.
ثانياً: الحماية و الزيف:
القناع وسيلة حماية عندما نستخدمه بوعي في مواقف عابرة مثل (الرسمية في العمل). لكنه يصبح تزييفاً مدمرًا عندما:
ـ تفقد التلقائية: تصبح ردود أفعالك
تمثيلاً مستمراً لإرضاء الغير .
ـ الاغتراب النفسي:عندما تشعر بالوحدة
الشديدة رغم وجود الآخرين لأنهم يحبون النسخة التي تُظهرها لا الحقيقة التي عليها أو تُخفيها.
ـ الاحتراق الداخلي: استنزاف طاقة هائلة في
الحفاظ على ثبات القناع يؤدي للاكتئاب أو القلق المزمن.
ثالثاً: رحلة التحرر واسترداد الذات؟
الوعي هو الخطوة الأولى
للحرية النفسية فما لا نعيه يسيطر علينا
ويتحكم فينا.
والعودة إلى الذات الحقيقية يتطلب الآتي:
ـ مراقبة الذات لا
الإدانة: حين تلاحظ ظهور قناع
القوة أو الضحك في لحظة وجع لا تلم نفسك ولكن أسألها ما الذي أخشى حدوثه لو رآني
الناس على حقيقتي الآن؟
ـ خلق مساحات آمنة: ابدأ بأظهار ضعفك أمام
شخص تثق به أو حتى أمام نفسك في مذكراتك.
ـ فك الارتباط: ذكّر نفسك أن قيمتك
نابعة من كينونتك كإنسان وليست مرهونة بمدى مثالية صورتك أو إرضائك للآخرين.
خاتمة:
إن إدراكك للأقنعة هو
الخطوة الأولى لكن التحرر منها يتطلب تدريب ووعي يبدأ بـالمواجهة الذاتية.
عليك أولاً تحديد
الدوافع العميقة التي تجبرك على ارتداء قناع معين أمام الآخرين فبمجرد أن تفهم
لماذا تختبئ ستملك الوعي والقوة الكافية لإسقاط تلك الأقنعة والكشف عن ذاتك
الحقيقية.
ما عليك تقبله في رحلة التغيير هو الرفض باعتباره جزء من النمو... فقد يساهم صدقك في تقريب الأشخاص الحقيقيين منك لكن عليك أن تكون مستعد تماماً لاحتمالية الرفض.
التغيير ليس سهلاً
والصدق يتطلب شجاعة ،الحقيقة المحررة هي أنك لن تنال حب الجميع مهما كانت الأقنعة
التي ترتديها وهذا أمر لا بأس به فأنت لا تحتاج إلى الجميع كل ما تحتاجه هو قلة من
الأشخاص الذين يحبوك لما أنت عليه بالفعل دون حاجة لتزييف أو إخفاء لعيوبك.
وإذا وجدت أن الجذور التي تدفعك للتخفي خلف هذه الأقنعة عميقة ومؤلمة،
فإن طلب الدعم والتحدث مع استشاري
نفسي أو مختص ليس علامة ضعف بل وسيلة فعالة لتطوير استراتيجيات تأقلم جديدة وصحية
تساعدك على إدارة مخاوفك وقلقك بوعي ومسئولية.
ففهم مواطن الضعف لا يُضعفنا بل يحررنا لنرى بوضوح ما نحاول الهروب منه .
نحن لسنا بحاجة لأن
نكون مثاليين لنُقبل أو لنُحب بل بحاجة لأن نكون حقيقيين صادقين وأن نختار أن لا
نفقد أنفسنا بل نحميها.
وأخيرًا، أنت لست القناع
الذي ترتديه..
أنت
الإنسان الذي كان يحاول الاختباء ليحمي نفسه خلفه.
اقرأ أيضًا
البيئات السامة تُحوٌلك من متأذٍ إلي متهم
الوعي الذاتي: أن تكون صديقًا لنفسك وليس خصمها
مهارات نفسية هامة للعام الجديد
الكريسماس (Christmas)… عيد الميلاد الذي يوحّد القلوب ويعبر القارات
الكريسماس، وحقائق قد لا تعرفها!
عيد الحب: جذور الاحتفال، تطوّره، وأبعاده المعاصرة
المولد النبوي في مصر والعالم العربي
صوم السيدة العذراء: ما بين الإيمان والتقوى والتاريخ
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا