الأدب العالمي وشخصية التاجر اليهودي
شخصية التاجر اليهودي عند كتاب الدراما العالمية: شيكسبير وأرثر ميللر
قمت بكتابة هذا المقال في السنوات الأخيرة من القرن العشرين حين كنت أدرس
الأدب الإنجليزي. وأقرأ بنهم في الأدب العالمي وأقارن بين كتاب في العصور الوسطى
وكتاب آخرين في العصور الحديثة. وكان من ضمن من قرأت ودرست أعمالهم في الجامعة في
كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية في مادة الدراما كتابات ومؤلفات الكاتب
الإنجليزي الأشهر على الإطلاق ويليام شيكسبير.
الأدب العالمي وشخصية التاجر اليهودي
وكنت أقرأ أعماله باللغة الإنجليزية وأقرأ شروحات ونقد لها جنبًا إلى
جنب مع قراءة أعماله مترجمة لأشهر المترجمين وعلى رأسهم الكاتب والمترجم د. لويس عوض ود. محمد عناني. كما قرأت ترجمة أعتبرها ترجمة ركيكة لقصائد شيكسبير القصيرة
المعروفة باسم "السونيتات "The sonnets للمترجم
د. بدر توفيق. مما دفعني لمحاولة ترجمة هذه السونيتات بنفسي أثناء الدراسة
الجامعية. لكن بعد التخرج والانشغال بالعمل تضاءل الحماس وإن كانت لا تزال الفكرة
تراودني. وقد أنشر بعض من الترجمات لبعض هذه السونيتات الرائعة هنا على صفحات مدونتنا المتميزة، مدونة بذور، مستقبلاً بإذن الله.
أرثر ميللر
أيضًا، ولغرض الدراسة فقد قرأت ودرست فيما درست أشهر مسرحية للكاتب
المسرحي الأمريكي أرثر ميللر. وهي مسرحية مصرع أو مقتل بائع متجول
الشهيرة (Death of a salesman). ... تلك
المسرحية التي قدمت وعرضت "إلى ماذا يؤدي الاعتقاد والإيمان الراسخ بالحلم الأمريكي" والمتمثل في إمكانية الثراء السريع في أرض الفرص والأحلام. في أمريكا
ذاتها، وقد وصل الأمر إلى أن مات البائع المتجول حزينًا دون أن يبلغ الحلم أو
يحققه كما كان يؤمن أن في استطاعته يومًا ما.
لكن ما سنتناوله هنا ليس هذه المسرحية، بل هي شخصية تاجر يهودي كتب
عنه أرثر ميللر في مسرحية مختلفة اسمها "الثمن"The
Price كنت قد قرأتها في احدى المكتبات العامة ونقلت منها كتابة بخط اليد بعض
الأجزاء ولم أمتلك نسخة منها لا بالعربية ولا بالإنجليزية حتى اليوم. وأشك في أني
لو عدت إلى نفس المكتبة اليوم أن أجد نسخة منها لأن هذا الأمر حدث منذ أكثر من ربع
قرن.
شخصية التاجر اليهودي في الأدب العالمي
فماذا عن موضوع المقال هذا؟ ماذا عن شخصية التاجر اليهودي كما رصدها
ودققها وكتب عنها ويليام شيكسبير في عصرٍ ماضٍ؟ وكما أقحمها وأدخلها في أحد أعماله
الكاتب الأمريكي أرثر ميللر في عصر ليس ببعيد في النصف الثاني من القرن العشرين؟
هذا ما سوف أقدمه لكم خلال الفقرات التالية لهذا المقال، تمامًا كما
كتبته منذ حوالي أكثر من ربع قرن مضى. حين كنت أدرس وأقارن بين كتابات المؤلفين المختلفين
بكل حماس وروية وذاكرة قوية.
شخصية التاجر اليهودي في الأدب العالمي
إن القارئ المدقق الفاحص للكتابات العالمية لم ولن ينسى أبدًا تلك
الشخصية الكوميدية الفذة التي قام برسمها الكاتب المسرحي والشاعر الإنجليزي العظيم
ويليام شيكسبير (1564 – 1616). وذلك في مسرحيته المعروفة (تاجر البندقية Merchant of Venice). وهي
شخصية التاجر اليهودي “شايلوك“، ذلك التاجر اليهودي الذي يعلن دائمًا عن
كراهيته للمسيحيين. والذي يغرر بواحد من تجار مدينة البندقية (فينيسيا (Venice اسمه أنطونيو لكي يقوم بتوقيع عقد معه مفاده أن يحصل (أنطونيو) على
قرض من التاجر اليهودي المُرابي. وإذا لم يف أنطونيو بدينه ويدفع القرض في موعده.
يحل لشايلوك أن يأخذ مقدار رطل من لحم جسد أنطونيو من أي موضع في الجسم يختاره هو
التاجر.
وهذه الشخصية الشيكسبيرية لليهودي توضح ما ألف للناس أن يتخيلونه
وقتذاك عندما تطرق مسامعهم كلمة "يهودي". فهو بالنسبة لهم تاجر، جشع، بشع الخلقة،
مرابي، استغلالي، كاره للجميع، بخيل… وأخيرًا،،، وطبقًا لهذه المسرحية،،، فهو
حَرفي لا يهتم إلا بما كُتب نصًا في الوثائق. ولا تشوب قلبه أية رحمة على الإطلاق
على الرغم مما غلف به شيكسبير شخصيته من كوميديا ومما أعلنه من تبريرات لأفعاله.
تبريرات قد تدعوا في نهاية المسرحية، في مشهد المحاكمة على الأخص، إلى الشفقة
والرثاء على ذلك اليهودي بالرغم من كل رغباته وأفعاله… فقد ذاق مما فعل ووجد نفسه
خاسرًا كل شيئ بسبب كراهيته وجشعه!
لمشاهدة ملخص جميل للمسرحية الشيكسيبيرية "مسرحية تاجر البندقية"
كُتاب آخرون في عصر شيكسبير كتبوا عن نفس الشخصية
ولم يكن شيكسبير هو الوحيد في عصره الذي كتب عن "اليهودي" ووصمه بنفس
هذه الصفات بل وأكثر… فقد سبقه إلى ذلك الكاتب الإنجليزي "كريستوفر مارلو"
في مسرحيته التي عنوانها "يهودي مالطا". ففي هذه المسرحية يبرز كريستوفر مارلو عداوة لليهود تفوق عداوة شيكسبير لهم بمراحل. هذا إن كان هناك ثمة أي عداوة يمكن
ذكرها وليس تجسيد لشخصية يحتاجها النص الدرامي.
الشخصية اليهودية في كتابات عالمنا المعاصر
وبينما الحال هكذا في كتابات القرون الماضية عن الشخصية اليهودية
ونظرة العالم لليهودي. فإننا نرى نظرة مشابهة أيضًا في عالمنا المعاصر، وذلك على
الرغم من بزوغ نجم العديد من العلماء والباحثين والكتاب من أصل يهودي أمثال
آينشتاين، سيجموند فرويد، كافكا… إلخ.) وذلك في مسرحية للكاتب الأمريكي أرثر ميللر.
من هو أرثر ميللر؟
أرثر ميلر هو الكاتب المسرحي الأمريكي الذي ولد عام 1915 وله أعمال
مسرحية كثيرة أشهرها: مسرحية كل أولادي، مسرحية الرجل الذي تمتع بكل الحظ، مسرحية
مشهد من الجسر، مسرحية مصرع بائع متجول (وهي المسرحية التي حاز عنها على جائزة بوليتزر الشهيرة وهي أيضًا تُعد أشهر مسرحياته على الإطلاق)، ومسرحية الثمن.
وقد كان أرثر ميللر متزوجًا من الفنانة الأشهر والممثلة الأمريكية
ذائعة الصيت، مارلين مونرو.
سولومون
ففي مسرحيته "الثمن" تتجلى شخصية اليهودي، التاجر أيضًا، حيث يفاجئنا
منذ كلماته الأولى على المسرح،
فيكتور (الشقيق الأكبر في المسرحية والذي يعمل شرطيًا ويرغب في بيع أثاث بيت عائلته القديم/ الميراث)
هل يمكن أن أقدم لك كوبًا من الماء؟ (يرفض التاجر سولومون بإشارة من يده)
أستر (زوجة فيكتور): لماذا لا تجلس؟
سولومون (تاجر يهودي من أصل روسي): الماء لا أحتاج إليه، ولكن أحتاج إلى بعض الدماء… شكرًا.
فعلى الرغم مما قد يكون القصد من كلمة دماء هنا، إلا أنها تثير الفزع
والاشمئزاز،،، والخيال أيضًا. حيث يُصَوَّر مباشرةً في الذهن هذا التاجر اليهودي
الروسي الأصل على هيئة "مصاص دماء". وهو هنا يعمل تاجرًا للأثاث القديم، وله
فلسفته الخاصة التي يعلنها بقوله،
سولومون:…
في الحديث عن الأثاث المستعمل لا يمكنك أن تكون عاطفيًا.
هذا بينما الأصل في مثل هذه المواقف أن الأثاث القديم له قيمته عند
أصحابه الذين يقدرونه بما يمدهم به من ذكريات خاصة. وأحلام كانوا يحلمون بها في
أيام الصبا والشباب، وأيضًا بقيمته عندما تم شرائه ومدى ما يمكن أن يكون قد ارتفع
إليه الثمن في وقتهم الحاضر. خصوصًا وان هذا الأثاث حديث الموقف هو أثاث من طراز
يمكن اعتباره تحفة. فإذا بسولومون وهم يتجادلون حول الثمن يقول لهم،
سولومون:…
يا ولدي! الثمن لم يتغير منذ أن دخلت هذا البيت.
وبعد أن يستدرج فيكتور (الشقيق الأكبر الشرطي) حتى يوافق على الثمن
الذي حدده هو (التاجر). وذلك بعد أن يلعب معه لعبة (فرق تسد) بينه وبين شقيقه
الأصغر (والتر الذي يعمل طبيبًا). والغائب عن هذا المجلس في هذه اللحظة خلال عملية
البيع، وسولومون يقول،
سولومون:… لا تنزعج، سوف أكتب لك إيصالاً بأن السعر 600 دولار فقط… ولم لا؟ لقد أخذ منك… فلماذا لا تأخذ منه؟
حضور الأخ الأصغر "والتر"
وعندما يحضر والتر (الطبيب) فجأة ويبدي بعض الحنين الذي يشكك في نيته
للموافقة على عملية البيع ذاتها. يبدأ مرة أخرى سولومون في لعبة (فرق تسد) بين
الأخوين الأثنين… ويقول أخيرًا،
سولومون (موجهًا حديثه للأخوين)...:
وبينكما أنتما الأثنين لا أحد يفعل للأخر أي معروف
حتى أن الطبيب الشاب (الأخ الأصغر) قال له في نهاية المسرحية بعد أن
نجح التاجر في لعبته،
والتر:…
استمر أيها العجوز المحنك… اسرقهم سرقة عمياء، فإنهم يحبونك لذلك.
وبعد إتمام عملية البيع ينظر التاجر للأثاث القديم التحفة الذي ظفر به
ويقول،
سولومون:… من يصدق أنني أبدأ العمل من جديد.. ولكني أذهب فأمامي هنا عمل كثير… (ستار نهاية المسرحية)
تفسير معاصر للمسرحية على ضوء الأحداث في نهاية القرن العشرين
وهنا، قد يتسائل المرء قائلا: لماذا لا يكون الأثاث القديم المراد
بيعه هو رمز يقصد به أرثر ميللر العالم القديم؟ الشرق وقلبه على وجه التحديد؟
فالأثاث قديم ومتهالك، ومن يشتريه يهودي (على الرغم من كونه من أصول روسية. في أمر
قد يمكن تفسيره في ضوء الصراع الذي كان سائدًا ولا يزال بين أمريكا وروسيا وفي ضوء
الحرب الباردة وكراهية كل نظام وشعب للأخر وتنافسهم).
والابن الأكبر الشرطي قد يرمز إلى شرطي العالم، اللقب الذي تم إطلاقه
على أمريكا. وهو الابن الذي يود البيع (ويحمي التاجر الذي يشتري في ذات الوقت).
كما أنه هو الذي يسلم الأثاث الموروث لليهودي بالثمن الذي يدفعه مهما كان ضئيلاً.
وهو متعاطف وحامي للتاجر أيضًا.
بينما الأخ الأصغر هو طبيب وعالم، ربما يشير إلى القارة الأخرى الأصغر
والمتقدمة، قارة أوروبا. وقد ابتعدت عن أبيها بعقلانيتها التي هي عادةً ما تناهض
الإيمان الغيبي. مثلما ابتعد الابن الأصغر (والتر) وقد ترك أبيه في محنته واتجه
للدراسة وتحصيل العلم حتى تخرج من الجامعة وعمل وأصبح غنيًا ونسى أخيه، بل قل أنه
تناساه.
وهذه هي الحقيقة التي التقطها التاجر والتي عن طريقها نجح في التفرقة
بين الأخوين. وقد خدمته الظروف لكي يحصل هو على الأثاث التحفة بثمن بخس… فالثمن
كان لا شيئ، أو ربما هو كان شيئًا أفظع. ألا وهو الإحساس بعدم وجود أية جدوى لكل
ما تم بذله من تضحيات في إطار الأسرة… الثمن كان اهتزاز الإيمان حتى بوجود هذه
التضحيات من الأساس والشك فيها.
قراءات وتفسيرات كثيرة يقدمها هذا النص الأمريكي، وهي تفسيرات تدل على
مدى عمقه. واختلافه عن الشكل المباشر الذي كان يتم تقديم الشخصيات به في النصوص
والأعمال التراثية القديمة.
أخيرًا،،،
أتمنى أن أكون قد ألقيت الضوء على جزء ضئيل مما قدمه الأدب العالمي في
عصرين مختلفين حول شخصية التاجر اليهودي. وكم من شخصيات قدمها الأدب والفن على مر
العصور، وربما أقوم مستقبلاً بالكتابة عن نفس الشخصية في الدراما والسينما المصرية
والعربية. في عصر من المفترض أننا نتمتع فيه بحرية التعبير دون الإساءة إلى أحد.
ودون أن يعاني الكُتَّاب حول الشخصيات المختلفة من اتهامات ما مثل الاتهام القديم
الذي كان مسلطًا على أقلام الكُتَّاب. ألا وهو الاتهام بمعاداة السامية، فليذهبوا إلى
شيكسبير وإلى أرثر ميللر وغيرهما ليسألونهم عن هذه الشخصيات إذن.
بقلم/ أسامة الأديب
1998
اقرأ أيضًا
علي الزيبق (Ali Al-Zibaq): بطل الحيلة والذكاء في مواجهة القهر المملوكي
السيرة الهلالية (The Hilali Epic): ملحمة العرب الكبرى بين التاريخ والخيال الشعبي
جحا (Juha): الحكيم الذي اختبأ خلف قناع السخرية
ألف ليلة وليلة: حين أنقذت الحكايةُ العالم من السيف
موليير… المسرحي الذي فضح الإنسان وهو يضحك
فولتير… الكاتب الذي حوّل الكلمة إلى سلاح ضد الظلام
طاغور: شاعر الإنسانية الكونية وصوت الشرق الذي خاطب العالم
سقراط (Socrates): حكيم أثينا الذي علّم الإنسانية كيف تفكّر قبل أن تتكلم
ضمير الدراما المصرية: أسامة أنور عكاشة وسرد الحلم والواقع في وجدان العرب
ماري منيب: سيدة الكوميديا الصارمة… حين تحوّلت الأم المتسلطة إلى أيقونة للضحك المصري
«الست»: منى زكي حين تواجه الأسطورة… سينما تحاور الذاكرة وتعيد تعريف البطولة
سمية الألفي: من قلب الشرقية إلى قلوب الجماهير… رحلة فنية وإنسانية تتجاوز الشاشة
نجلاء فتحي… الوجه الذي كبر مع الزمن: سيرة فنية لنجمة صنعت جمالًا مختلفًا في السينما العربية
سليمان نجيب: أرستقراطي السينما المصرية الذي حوّل الوقار إلى فن خالد
يوسف شعبان: ملامح الصرامة وأناقة الأداء في ذاكرة الفن العربي
محمد فوزي: الفنان الذي غنّى بفرح ودفع ثمن الابتكار وحده
نور الشريف: الممثل الذي جعل من التمثيل معرفة ومن الفن موقفًا
إحسان عبد القدوس.. رائد الثورة الهادئة في الأدب المصري بين الحب والتمرد
اكتب اليوم وقد زعزع عالمنا معتقداتي ومبادئي
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا