الساحر،،، وزة بيضا حلوة
فيلم الساحر، قصص متوازية في العلاقة بين الرجل والمرأة في إطار من
"الواقعية الصادمة والمتفائلة"...
يقدم فيلم الساحر بطولة الفنان الراحل القدير والذي اشتهر بهذا اللقب
بعد عرض الفيلم، الفنان محمود عبد العزيز. قصة إنسانية تتخللها وتتداخل معها قصص
أخرى جميعها تأتي في العلاقة بين الرجل والمرأة… فبطلة الفيلم الشابة والمبتدئة في
ذلك الوقت، الجميلة منة شلبي، والتي كانت في عمر السابعة عشر في قصة الفيلم. والتي
يحبسها أبوها، منصور بهجت/ محمود عبد العزيز، خوفًا عليها من الاختطاف مثلما تم خطف
زميلتها. وهي على الرغم من الحبس إلا أنها تستطيع أن تقابل الشاب الذي يحبها في
غرفة فوق السطوح التي يحتفظ فيها والدها بأدوات السحر والحمام. وهناك يتبادلا
القبلات وتدور مشاهد ساخنة بين شاب وفتاة مراهقة تعرف مدى جمالها وتقدره وتبحث عن
حب وإشباع…
وهكذا تدور أحداث الفيلم التي تؤكد في كل
مشاهدها أنه مهما كنت حريصًا، ومهما قمت بحبس ابنتك أو ابنك فتأكد أن هذا لن يؤدي
إلا إلى مزيد من الانطلاق والانفجار بسبب شدة الكبت… وربما نكون بهذا الكلام قد
قفزنا إلى النتيجة من الفيلم قبل ان نروي قصته أو قل قصصه. لذلك سوف نتمهل سويًا ونتعرف
على أبطال الفيلم، وتاريخه، ثم نعرض قصته الرئيسية والقصص المتشابكة معها ونكمل
برأينا في الفيلم…
الساحر، تاريخ إنتاج الفيلم وأبطاله
فيلم الساحر تم إنتاجه في عام 2011،
وبالتحديد تم عرضه بدايةً من 30 ديسمبر 2001 أي منذ أكثر من عشرين عامًا. كتب قصة
الفيلم الكاتب سامي السيوي، وأخرجه للسينما المخرج رضوان الكاشف. وهذا الفيلم “الساحر” هو الفيلم الأخير للمخرج رضوان الكاشف والذي توفي
بعد عرضه بحوالي ستة أشهر وذلك في 5 يونية 2002.
وقد قام ببطولة الفيلم كل من: الساحر محمود
عبد العزيز في دور البطولة وشخصية منصور بهجت. وهو الذي كان يعمل ساحرًا، ولكن لم
يستطع أن يستمر بعد وفاة زوجته وخطف ابنته فتفرغ لمراعاتها فارضًا عليها رقابة
شديدة دون الخروج للشارع وذلك بعد أن أخرجها من مدرستها ولم تكمل تعليمها.
ومع الساحر، جائت الإبنة نور التي قامت بأداء دورها الفنانة الشابة
والاكتشاف الجديد في ذلك الوقت “منة شلبي“. وهي الفتاة ذات
السابعة عشر عامًا من عمرها والتي تبحث عن الحب والارتباط وتهوى الهروب من حبس
أبيها والانطلاق في المشاعر والعلاقات. أيضًا الشخصية المحورية الثالثة الفنانة
سلوى خطاب في دور “شوقية” والتي تعمل “حفافة” كما يطلقون عليها في المناطق
الشعبية. والحفافة هي من تقوم بتزيين وتجهيز العروس في ليلة زفافها وتكون بديل
للكوافير. حيث هي التي تقوم بالتجميل والتنظيف والباديكير والمانيكير… إلخ. من
اللازم للسيدات وللبنات. وهي مهنة كان يتم النظر إليها بقليل من الاحترام ويعتبرون
صاحبتها من السيدات غير المأمونات الجانب أحيانًا. ولهذا السبب كان “منصور بهجت”
الساحر في الفيلم يمنع ابنته من الصعود إلى السطوح حتى لا تتعامل مع شوقية
الحفافة. كما أنه في الأصل كان يرفض وجودها وإيجارها لغرفة السطوح التي بناها هو
لكن صاحب المنزل أصر لأنها سيدة مسكينة.
شخصيات أخرى في الفيلم
ومن أهم الشخصيات الأخرى في الفيلم والتي كان لها أثر كبير في الأحداث
- سري النجار في دور (حمودة) وهو الشاب الذي أحب (نور/ منة شلبي) وأراد أن يتزوجها. والذي كان يقابلها في غرفة السطوح، ويراقبها، واكتشف خروجها مع حازم الثري وأعادها مع أبيها بعد ضبطها معه في السيارة. وبالفعل تزوجها في نهاية الفيلم بعد أن كان رافضًا بسبب علاقتها مع حازم إلا أن تشجيع شوقية وحبه لها تغلبا على رفضه.
- ميكا المغني في دور حازم… والذي هو حفيد المليونير ذو السبعين عامًا فاقد الذاكرة. وهو الذي اشترى الحصان البلدي من منصور بهجت على أنه حصان عربي أصيل وبمبلغ مالي كبير. ثم، ويا للمفاجأة قبل نهاية الفيلم يعلن له أنه كان يعلم بأنه يغشه. وأنه قبل الغش ودفع المال فقط من أجل الوصول إلى ابنته والتي وصل إليها بالفعل… وقال له جملته، “ابقى اعرف تحبسها كويس… راجل متخلف”.
أيضًا شارك في الفيلم كل من: سامي سرحان في
دور سيد عصب خال حمودة، محمد يوسف في دور ابراهيم، مخلص البحيري في دور طه، سامي
مغاوري في دور حامد، خليل مرسي، والقدير الراحل الفنان جميل راتب في دور جد حازم “المليونير”… إلخ.
الساحر،،، قصة الفيلم الرئيسية وتداخلها مع قصص فرعية أخرى
يبدأ فيلم الساحر، وفي التتر مكتوب اسم
الفيلم “الساحر” وتحته مكتوب عبارة “نظرية البهجة” في إعلان أن الفيلم غرضه البهجة
رغم كم المعاناة التي يعيشها أبطاله. وفي البداية نرى منصور بهجت في حلم وهو يمشي
ومعه ابنته نور يحتضنها كأب ويقبل رأسها في تعبير عن حبه لابنته واهتمامه الشديد
بها. ثم إذ فجأة تقطع الطريق عليهما سيارة بيضاء يركبها عدد من الشباب الذين
يوقفونه ويوسعونه ضربًا أمام أعين ابنته. والتي تشاهده يتم ضربه فلا تتحرك ولا
تنفعل ولكن تجلس على مؤخرة السيارة وتطلب سيجارة من أحد الشباب وآخر يشعلها لها
وتنفخ الدخان في نهم ثم تأخذها السيارة مبتعدة وتختفي. لكي يستيقظ منصور بهجة
منزعجًا وخائفًا بزيادة على ابنته من الخطف وباحثًا عمن يعلمه طرق الدفاع عن النفس
واستخدام المطواة من أجل أن يدافع عن نفسه وعن ابنته ويحميها إذا ما تعرض لنفس
الموقف كما في الحلم.
يأتي صاحب البيت لكي يطلب من منصور تفريغ
احدى الغرفتين فوق السطوح من أجل أن تسكنها “شوقية” (الفنانة سلوى خطاب) ومعها
ابنها الصغير المريض ورغم رفض منصور بهجة إلا أنه انصاع في النهاية. والمشهد
التالي لمنصور بهجة يتعلم استخدام المطواة من “سيد عصب” خال حمودة من أجل الدفاع
عن نفسه وحماية ابنته. في ذات الوقت الذي فيه الابنة في الغرفة المجاورة ومعها
حمودة في مشهد ساخن رغم صوت ابيها الواصل إليهما. وذلك قبل أن تتسلل عائدة إلى
شقتها وبعدها حبيبها في غفلة عن الأب الذي كان يظن أن ابنته محبوسة ومحمية.
الساحر، شوقية وابنها: نفور ثم تقارب واهتمام وحب
نخرج من مقدمة الفيلم وقصة البطل منصور بهجت
أو الساحر إلى قصة فرعية عن ابن الصياد الذي يعاني من مشاكل في العلاقة الزوجية.
وبدلاً من اللجوء للطب لجأ للساحر منصور بهجت الذي استغله بعلاجه وتكلفة العلاج
جزء من صيد السمك ونصيب له. فما كان من علاج الساحر سوى الخيبة وطلب زوجة ابن
الصياد الطلاق لعجز زوجها.
ثم نعود إلى القصة الرئيسية وحضور شوقية التي
كانت متزوجة من “عربجي” يمتلك عربة وحنطور. لكنه تزوج عليها وأحضر زوجته لتعيش
معها في بيت الزوجية إلا أنها لم تتحمل البقاء فطلبت الطلاق وغادرت بابنها المريض.
فما كان من صاحب البيت إلا مساعدتها بتوفير غرفة فوق السطوح لكي تعيش فيها.
وأعلمها برفض منصور بهجت لها قبل مجيئها فرفضت هي بدورها صينية الطعام التي
أرسلتها لها ابنته كضيافة في أول يوم لها في غرفة السطوح.
ويأتي مشهد تقمص منصور بهجت لدور “عميد شرطة”
لكي يذهب إلى حفل زفاف ابنة مخبر سابق طلبه من أجل التباهي به أمام عريس ابنته.
إلا أن منصور بهجت، الساحر، لم يحترم البذلة التي يرتديها وقام ورقص مع الراقصة
ولاحظ المتشددون الذين كانوا حاضرين كأصدقاء العريس أنه يرتدي البذلة الصيفي في
الشتاء. ولقد ايقنوا كونه مزيف فما كان منهم إلا أن تهجموا عليه وعلى الراقصة وأوسعوهم ضربًا… وقد انتهى المشهد بفضيحة زعيق ابنته وإعلانها في الحارة
الشعبية التي يسكنونها في منطقة مصر القديمة. بأنها محبوسة، وذلك اثناء طلب المخبر
السابق منها لبعض الملابس لأبيها المحجوز في قسم الشرطة والذي تم مصادرة ملابسه
العسكرية التي كان يرتديها...
الساحر يمنع شوقية من القتل، ويساعدها لعلاج ابنها المريض
منصور بهجت، الساحر، يراقب شوقية التي يخاف
منها على ابنته. ولا يدري في ذات الوقت أن شوقية ضبطت ابنته ومعها حبيبها حمودة في
الغرفة المجاورة يقبلها. ويكتشف الساحر أن شوقية تريد قتل طليقها وأبو ابنها الذي
تركها. فما كان منه إلا أن منعها من القتل. وأعادها إلى البيت لكي ترعى ابنها وقد
أعلن أنه سوف يساعدها. وبالفعل أخذ ابنها إلى الطبيب الذي قرراحتياج الطفل لعملية
في “المخ” من أجل أن يعود له بصره ويتخلص من الصداع.
فما كان من منصور إلا أن يحصل على الحصان
الهزيل لوالد الطفل بعد أن يمنحه حمارًا يجر له عربته. ويعتني بالحصان من أجل أن
يبيعه للمليونير الكبير (جد حازم) والذي يريد أن يهديه إلى حفيده حازم. وهو نفسه
حازم الذي قابلته نور ابنة منصور وخرجت معه في المحل الذي يعمل فيه كمغني وصاحب
فرقة. ويشتري حازم الحصان، لكن يكتشف منصور بهجت (الساحر) عن طريق حمودة حبيب نور
ابنته. أن حازم اشترى الحصان بمبلغ كبير رغم أنه يعلم أن الحصان ليس حصانًا عربيًا
أصيلاً فقط للوصول إلى نور ابنة الساحر. فيُصدم في مشاعره وفي أفكاره ويرى أنه
مهما حاول حماية ابنته بالحبس أو بالخوف الزائد فإن هذا يجعلها تسرع في الوقوع في
الخطأ… فالحرية مع الحوار والرعاية وتقديم الحب وإبداء الثقة تجعل للأبناء حصانة
في مواجهة الخارج. وخصوصًا الثقة، فمنصور لم يكن يثق في ابنته وقد نتج عن عدم الثقة أنها انجرت نحو الانحراف.
نهاية الفيلم،،،
تتدخل شوقية في النهاية لكي تقنع حمودة الذي
طلب يد نور للزواج أكثر من مرة ولكن واجهه منصور بهجت بالرفض. بأن يتقدم من أجل
الزواج من نور وبأن يسامحها على غلطة ارتكبتها بطيشها وأقنعته بأنها تحبه وهو
بالفعل يحبها. لكي ينتهي الفيلم بزواج حمودة من نور، وأيضًا منصور من شوقية التي
أحبها. وبشفاء الطفل علي ابن شوقية الذي يقابل والده في نهاية الفيلم فيعطيه وزة
جديدة بدلاً من تلك التي ضاعت منه. ويعلن له منصور أن علي ابنه سوف يزوره ويبيت
معه وقتما يشاء أيضًا كإعلان عن التسامح ودعوة له.
أخيرًا،،،
يعتبر فيلم “الساحر” من أفضل الأفلام التي
قدمها محمود عبد العزيز. وهو الذي قدم الكثير من الأفلام الرائعة في كل فترات
حياته ومعظم أعماله السينمائية. فهو الفنان “الساحر” والذي قدم مع المخرج الراحل
رضوان الكاشف هذا الفيلم. وذلك لكي يقدم تفاصل الحياة البائسة لكثير من المهمشين
بروح ساخرة تكشف كيف يتكيف هؤلاء الغلابة مع الطروف والمشكلات التي يعيشونها.
هذا الفيلم، يعتبره النقاد ثاني أفضل فيلم
لمحمود عبد العزيز بعد فيلم الكيت كات وشخصية الشيخ حسني التي قدمها فيه. وقد قدم
فيه محمود عبد العزيز دور الأب الذي يتعامل بشكل عنيف مع ابنته فقط لأنه يحبها
ويخاف عليها. أب يشعر بفوران جسد الأنثى في ابنته ويخشى من عواقبه عليها فيستدعي
القسوة ظنًا منه أنه بها يحميها. لكنه يشعر بالصدمة في النهاية حين يكتشف أن
القسوة والحرمان لم يقوما بحماية ابنته التي كانت تلعب من وراء ظهره وتعلن أن
هوايتها الأولى والأفضل والتي تبرع فيها هي “كسر حصار أبيها والهروب من محبسها”
أيضًا، دور نور الذي قدمته منة شلبي والذي هو
أول أدوارها في السينما كشف عن فنانة جيدة. وهو دور كان مناسبًا لسنها، ولملامحها
وتكوينها الجسماني كفتاة تتقدم في العمر من مرحلة المراهقة إلى مرحلة الشباب. فتاة
كانت تشعر بأنوثتها الفائرة وبمشاعرها المتدفقة وتعترف بأنها ترتكب الأخطاء
وتستمتع بها. ولكن بسبب الكثير من المشاهد الساخنة بين “نور” و”حمودة” وأيضًا
“نور” و”حازم” لا يتم النصح بمشاهدة الفيلم في وجود أطفال...
اقرأ أيضًا
مسجل خطر… فيلم أكشن مصري للزعيم عادل إمام
حين يركض الإنسان أبعد من القدر: قراءة إنسانية عميقة في فيلم (فورست غامب)
علي الزيبق (Ali Al-Zibaq): بطل الحيلة والذكاء في مواجهة القهر المملوكي
السيرة الهلالية (The Hilali Epic): ملحمة العرب الكبرى بين التاريخ والخيال الشعبي
جحا (Juha): الحكيم الذي اختبأ خلف قناع السخرية
ألف ليلة وليلة: حين أنقذت الحكايةُ العالم من السيف
موليير… المسرحي الذي فضح الإنسان وهو يضحك
فولتير… الكاتب الذي حوّل الكلمة إلى سلاح ضد الظلام
طاغور: شاعر الإنسانية الكونية وصوت الشرق الذي خاطب العالم
سقراط (Socrates): حكيم أثينا الذي علّم الإنسانية كيف تفكّر قبل أن تتكلم
ضمير الدراما المصرية: أسامة أنور عكاشة وسرد الحلم والواقع في وجدان العرب
ماري منيب: سيدة الكوميديا الصارمة… حين تحوّلت الأم المتسلطة إلى أيقونة للضحك المصري
«الست»: منى زكي حين تواجه الأسطورة… سينما تحاور الذاكرة وتعيد تعريف البطولة
سمية الألفي: من قلب الشرقية إلى قلوب الجماهير… رحلة فنية وإنسانية تتجاوز الشاشة
نجلاء فتحي… الوجه الذي كبر مع الزمن: سيرة فنية لنجمة صنعت جمالًا مختلفًا في السينما العربية
سليمان نجيب: أرستقراطي السينما المصرية الذي حوّل الوقار إلى فن خالد
يوسف شعبان: ملامح الصرامة وأناقة الأداء في ذاكرة الفن العربي
محمد فوزي: الفنان الذي غنّى بفرح ودفع ثمن الابتكار وحده
نور الشريف: الممثل الذي جعل من التمثيل معرفة ومن الفن موقفًا
إحسان عبد القدوس.. رائد الثورة الهادئة في الأدب المصري بين الحب والتمرد
اكتب اليوم وقد زعزع عالمنا معتقداتي ومبادئي
رُعب ... قصة قصيرة لأسامة الأديب
أحمد مظهر: الفارس الذي تمرّد على الفروسية ليُبدع في السينما والدراما
يسرا… رحلة فنانة صنعت نجوميتها بالذكاء والاختيار والالتزام
عقيلة راتب… وجه الأم المصرية وصوت الحكمة في السينما والمسرح
رجاء عبده… سيدة الأدوار الصادقة في السينما والمسرح المصري
مارلين مونرو (Marilyn Monroe): حين يتحوّل البريق إلى قدرٍ إنساني وصوت أنثوي لا يشيخ
داليدا (Dalida)… صوت عبر اللغات وحدود الوجدان: سيرة فنية لأسطورة لم تعرف الانتماء إلا للفن
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا