حسن حسني: معمار البهجة وصانع الظلّ الصامت في تاريخ الكوميديا المصرية
إذا كانت الكوميديا المصرية قد مرّت بمحطات كثيرة صنعت نجومًا وخلّدت رموزًا، فإن الفنان حسن حسني سيظل واحدًا من أعمدة هذا الفن ورمزًا للبساطة العميقة، تلك التي تصل إلى وجدان المتفرج دون ضجيج. امتد مشواره الفني لأكثر من نصف قرن، وترك بصمةً واضحة في المسرح والسينما والدراما التلفزيونية، محتفظًا بمكانة استثنائية لم ينافسه عليها أحد، ليس فقط بسبب غزارة أعماله، بل لدوره الخفيّ في تشكيل أجيال كاملة من الممثلين الذين اعتبروه "الأب الروحي" للكوميديا الحديثة.
البدايات: من المسرح العسكري إلى أبواب الاحتراف
وُلد حسن حسني في القاهرة عام 1936، وعاش طفولة صعبة إثر وفاة والدته مبكرًا. إلا أن هذه التجارب لم تُطفئ داخله روحًا مرحة كانت نواة لموهبة كوميدية فريدة. التحق بالمسرح العسكري بعد تجنيده، وهناك وجد ضالته؛ منصة يتعلم من خلالها أصول الوقوف أمام الجمهور والانضباط الفني.
كان المسرح هو مملكته الأولى، نقطة انطلاق شكّلت شخصيته الفنية، حتى انتقل إلى مسرح الحكيم ثم المسرح القومي، ليبدأ خطواته الاحترافية بثبات وهدوء. وبرغم أن الجمهور عرفه لاحقًا كأحد أبرز ممثلي السينما التجارية، إلا أن المسرح ظلّ بالنسبة له "بيت التربية" كما كان يحب أن يصفه.
نجومية متأخرة لكنها صلبة
قد يكون حسن حسني من الفنانين النادرين الذين تألقوا متأخرين. فقد قضى سنوات طويلة يؤدي أدوارًا صغيرة لكنها لافتة، حتى جاءت تسعينيات القرن الماضي لتضعه في مكان مختلف تمامًا. بدأ حضوره يتضاعف، وبدأ صناع السينما يكتشفون قدرته على تقديم خليط نادر من الكوميديا والتراجيديا في آن واحد.
في تلك الفترة، ظهر في أفلام مهمة مثل: الرجل الغامض بسلامته، زكي شان، كابتن مصر، ليلة سقوط بغداد، مراتي وزوجتي، ميدو مشاكل، يا انا يا خالتي، اسد و4 قطط... وغيرها من الأفلام الكثيرة، حيث برز أكثر حين دخل عالم الكوميديا السينمائية الجديدة التي تزعمها نجوم مثل: أحمد حلمي، محمد هنيدي، أحمد السقا، كريم عبد العزيز، هاني رمزي ومحمد سعد.
الأب الروحي لجيل الكوميديا الجديد
أصبحت مشاركة حسن حسني في أي فيلم علامة جودة، فهو "الداعم الخفي" في كل مشهد، يقف خلف مواهب شابة يساندها ويدفعها إلى الأمام. في أفلام: ابن عز، الناظر، وعبود على الحدود كان شريكًا لعلاء ولي الدين، وفي اللمبي وحّد طاقة الجنون مع محمد سعد، وفي الباشا تلميد قدّم ثنائيًا كوميديًا لافتًا مع كريم عبد العزيز، وكذلك لا أحد ينسى دوره (المعلم ضبش) في فيلم غبي منه فيه مع هاني رمزي.
لم يكن مجرد ممثل مخضرم يظهر ضمن فريق العمل، بل كان "مايسترو" يلعب دور المعلم والمستشار. وقد اعترف معظم نجوم الكوميديا اللاحقين بأن حسن حسني كان سببًا رئيسيًا في نجاح أولى بطولاتهم.
قدرة خاصة على الجمع بين الضحك والدموع
سرّ تميّز حسن حسني لم يكن في خفة ظله وحدها، بل في تلك الحساسية التمثيلية التي جعلت الجمهور يتعاطف معه حتى في أكثر مشاهده كوميدية. كان يمتلك قدرة استثنائية على رسم الشخصية بعمق، حتى لو بدت بسيطة أو عابرة.
لذلك نراه يقدّم شخصية الأب الحازم في لحظة، ثم ينقلب إلى كوميديان عفوي في اللحظة التالية، دون أن نشعر بانقطاع. وقد تجلّت هذه القدرة في أعمال درامية مثل: كيف تخسر مليون جنيه، المال والبنون، أزواج في ورطة، ورأفت الهجان (ج2).
فيلموغرافيا غزيرة… لكن بلا تكرار
ورغم مشاركته في مئات الأعمال، لم يقع حسن حسني في فخ التكرار. كان يتقن التنويع بين الشخصيات: أدوار الشر، أدوار الطيبة، الشخصيات الشعبية، الموظف البسيط، المسؤول الفاسد، الأب الطيب، العم خفيف الظل، بل وحتى الشخصيات المركبة التي تجمع بين السخرية والمرارة.
ربما كان مفتاحه في ذلك هو ذكاؤه الفني؛ كان يلتقط كل شخصية من تفاصيل الحياة اليومية التي رآها أو عاشها، ويعيد صياغتها بنبرة ساخرة لكنها إنسانية.
الظهور السينمائي في الألفية الجديدة: مرحلة الثبات والاتساع
منذ بداية الألفية وحتى العقد الثاني منها، أصبح حسن حسني أحد أكثر الفنانين حضورًا على الساحة. لم يكن فيلم كوميدي تقريبًا يخلو منه. ومع ذلك، لم يتخل عن الدراما، فواصل تقديم أدوار قوية في عدد من المسلسلات مثل: سلطانة المعز، شباب البومب4، سوبر هنيدي، مزاج الخير، والزوجة الرابعة وغيرها من المسلسلات.
كانت هذه المرحلة هي ذروة نجوميته الجماهيرية، حيث بات رمزًا للعائلة المصرية، وصوتًا كوميديًا يرافق الجمهور في كل بيت، خاصة في المواسم الرمضانية.
حسن حسني الإنسان… قبل الفنان
ورغم صيته الواسع، كان حسن حسني مشهورًا بتواضعه الشديد. لم يسعَ وراء الأضواء ولا الصراعات الفنية. كان محبًا للآخرين، كريمًا بمشورته، وهادئًا في حضوره. ولذلك اكتسب احترامًا كبيرًا داخل الوسط الفني، حتى أن وفاته في 2020 شكّلت صدمة واسعة، ونعاه الفنانون من مختلف الأجيال بكلمات مؤثرة.
لقد رأى فيه الكثيرون "رمزًا" لا مجرد ممثل؛ رمزًا للإخلاص، للالتزام، وللفن الذي يخرج من القلب فيصل إلى القلب.
إرث لا يُنسى… وصوت لا يغيب
ترك حسن حسني إرثًا كبيرًا يتجاوز مئات الأعمال. ترك ضحكات صادقة، وشخصيات لا تُنسى، وذكريات ممتدة بين الجمهور وأجيال الفنانين. وستظل بصمته جزءًا أصيلًا من تاريخ الكوميديا المصرية والعربية.
لقد بنى مسيرة فنية تشبه عمارة متينة: أساسها الصبر والشغف، وجدرانها البساطة والصدق، وسقفها الضحك الذي يظلّل كل من مرّ به.
اقرأ أيضًا
محمود ياسين: صوت الزمن الجميل الذي صنع مجده بالعقل والهيبة والإنسانية
محمود عبد العزيز: الساحر الذي أعاد كتابة معايير النجومية في السينما المصرية
نجيب الريحاني… صانع البسمة العميقة ومهندس الكوميديا الراقية في مصر
عبد المنعم مدبولي… المهندس الذي أعاد بناء وجدان الكوميديا المصرية
صفاء أبو السعود... صوت البهجة الذي غنّى للطفولة وصنع جيلًا كاملًا من الأمل
فاتن حمامة… سيدة الشاشة التي علّمت العالم كيف يكون الجمال فكرًا والتمثيل ضميرًا
هالة فاخر... بين الضحكة والدمعة: رحلة فنانة صنعت ذاكرة الدراما المصرية
شادية… زهرة الفن المصري التي غنّت للحب والوطن وبقيت خالدة في وجدان الأجيال
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا