عزت العلايلي: فارس الشاشة الهادئ الذي صاغ ضمير السينما المصرية
في زمنٍ كانت السينما المصرية فيه تبحث عن صوتٍ صادق يُعبّر عن الإنسان المصري بوعيه وحلمه ووجعه، جاء عزت العلايلي كواحد من أكثر الوجوه تفرّدًا واتزانًا. لم يكن نجمًا عابرًا بقدر ما كان ضميرًا فنيًا حيًا ظلّ وفيًا لقناعاته طوال مسيرته التي امتدت لأكثر من ستة عقود.
بعينين تفيض بالذكاء ووجهٍ يحمل ملامح المصري الأصيل، استطاع أن يجسد كل ما هو إنساني في الشخصية المصرية: العامل، المفكر، الفلاح، المثقف، وحتى الضابط والسياسي. عزت العلايلي لم يكن مجرد ممثل؛ بل صوت العقل في زمن الضجيج.
البدايات: من حلم التمثيل إلى معهد الفنون
وُلد عزت حسن العلايلي في حي باب الشعرية بالقاهرة في 15 سبتمبر عام 1934. نشأ وسط بيئة بسيطة تمتلئ بالحياة الشعبية، الأمر الذي صقل لديه قدرةً مبكرة على فهم الناس ومشاعرهم.
منذ صغره، كان مولعًا بالتمثيل، يشارك في المسرح المدرسي ويقرأ الأدب بشغف. ورغم اعتراض أسرته في البداية على دخوله المجال الفني، فإن إصراره قاده إلى المعهد العالي للفنون المسرحية، حيث تخرج عام 1960.
بعد تخرجه، بدأ مشواره في المسرح القومي، حيث برز كممثل من الطراز الرفيع، يتمتع بقدرة فريدة على الاندماج في الشخصيات، وبحضورٍ قوي دون افتعال.
الانطلاقة السينمائية: "الاختيار" وولادة النجم المفكر
رغم أن بداياته السينمائية كانت في الستينيات بأدوارٍ ثانوية، فإن شهرته الحقيقية جاءت مع المخرج يوسف شاهين في فيلم "الاختيار" (1970)، الذي مثّل نقطة تحول محورية في مسيرته.
في هذا العمل الفلسفي العميق، قدّم العلايلي أداءً استثنائيًا عكس قدرته على الغوص في أعماق النفس البشرية، فلفت الأنظار بوعيه وثقافته، ليصبح بعدها أحد رموز السينما الجادة والفكرية في مصر والعالم العربي.
أعماله السينمائية: سجلٌّ من الروائع
يُعتبر عزت العلايلي من أكثر الفنانين المصريين تنوعًا في اختياراتهم، إذ قدّم أكثر من 160 عملًا سينمائيًا تراوحت بين الواقعية، والسياسية، والاجتماعية، والكوميديا السوداء.
من بين أبرز أفلامه التي خلدها التاريخ:
-
🎬 "الأرض" (1970) – من إخراج يوسف شاهين، وهو أحد أعظم أفلام السينما المصرية، جسّد فيه الفلاح المصري المقاوم للظلم.
-
🎬 "الاختيار" (1970) – فيلم فلسفي رمزي عن الصراع الداخلي للإنسان.
-
🎬 "السقا مات" (1977) – مع إخراج صلاح أبو سيف، حيث قدّم شخصية "شوشة السقا" ببراعة إنسانية خالدة.
-
🎬 "الطريق إلى إيلات" (1993) – أحد أهم الأفلام الوطنية في تاريخ السينما المصرية الحديثة.
-
🎬 "الذل" و"أهل القمة" و"المواطن مصري" – أفلام تناولت قضايا الإنسان والمجتمع بعمق نادر.
تميز العلايلي بقدرته على اختيار الأدوار التي تحمل فكرًا ورسالة، فكان يرفض المشاركة في الأعمال التجارية البحتة التي تفتقد المضمون.
المسرح والتلفزيون: ساحة الإبداع الأخرى
رغم نجوميته السينمائية، لم يهجر عزت العلايلي خشبة المسرح، بل ظلّ مرتبطًا بها باعتبارها المنبع الأصيل للفن.
قدّم أعمالًا مسرحية متميزة مثل:
-
"أهلاً يا بكوات" – واحدة من أجرأ المسرحيات السياسية التي تناولت التحولات في مصر.
-
"ثورة الموتى" - المسرحية تحمل طابعًا رمزيًا فلسفيًا يناقش فكرة التمرد الإنساني على الظلم والجمود الاجتماعي.
"الناس اللي في السما الثامنة" وهي من المسرحيات الفكرية الثقيلة التي تُدرّس كمثال للمسرح الوجودي المصري في السبعينيات.
وفي التلفزيون، كان له حضور طاغٍ عبر مسلسلات مثل:
-
📺 "عسكر وجرامية"
-
📺 "قيد عائلي"
-
📺 "الشارع الجديد"
📺 "اللص والكلاب"
📺 "الجماعة"
كل شخصية قدّمها كانت تحمل صدقًا وواقعية، حتى في أدواره الصغيرة، كان يترك أثرًا لا يُمحى.
الفكر والالتزام: الفنان الذي مثّل الوعي الجمعي
كان دائم الانتقاد لسطحية بعض الأعمال الحديثة، مؤكدًا أن الفن مسؤولية تجاه الناس والتاريخ. وقد ظلّ حتى آخر أيامه يدافع عن السينما الهادفة ويشجع الشباب على الالتزام بقيم الفن الحقيقي.
علاقته بالمخرجين الكبار
ارتبط العلايلي بعلاقات مهنية وإنسانية عميقة مع كبار المخرجين، أبرزهم:
-
يوسف شاهين: الذي اعتبره صوته الداخلي في أفلام "الأرض" و"الاختيار".
-
صلاح أبو سيف: الذي صنع معه تحفًا واقعية خالدة مثل "السقا مات".
-
علي بدرخان: الذي شاركه الرؤية في أعمال فكرية وسياسية.
هذه العلاقات لم تكن مجرد تعاون فني، بل شراكة فكرية جعلته من القلة الذين جمعوا بين الوعي الفني والفلسفة الإنسانية في الأداء.
حياته الشخصية: بين الهدوء والالتزام
عُرف عزت العلايلي بشخصيته المتزنة الهادئة، بعيدًا عن الصخب الإعلامي. تزوج من السيدة سناء الحديدي التي كانت سندًا له حتى رحيلها، وأنجب منها أبناءه، وكان دائم الحديث عن أهمية الأسرة والاستقرار.
لم يسعَ وراء الأضواء أو الشهرة، بل كان يفضل البقاء في الظل ليعمل في صمت، مؤمنًا بأن الاحترام أهم من النجومية.
الجوائز والتكريمات: تقدير يليق بالفارس
على مدار مشواره الطويل، حصد العلايلي العديد من الجوائز والتكريمات، منها:
-
جائزة أفضل ممثل عن فيلم السقا مات من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي.
-
جائزة تكريم مشواره الفني من المهرجان القومي للسينما.
-
جائزة التميز الفني من مهرجان الإسكندرية السينمائي.
-
تكريم من مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية عن مجمل أعماله.
ورغم الجوائز الكثيرة، كان دائم القول إن حب الجمهور هو أعظم جائزة.
وفاته ورحلته الأخيرة
شيّعه الفنانون والجمهور بحزنٍ بالغ، لكن أعماله بقيت تخلّد حضوره الإنساني والفني في الذاكرة المصرية والعربية.
إرثه وتأثيره على الأجيال
حتى اليوم، ما زالت أعماله تُدرّس كنماذج في الأداء الواقعي، والصدق التمثيلي، والتعبير الهادئ العميق.
خاتمة: العلايلي... الممثل الذي جعل الصمت يتكلم
رحل عزت العلايلي، لكن بقي أثره شاهدًا على أن الفن الحقيقي لا يموت، بل يُخلّد في ضمير الأمة.
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا