عبد المنعم مدبولي… المهندس الذي أعاد بناء وجدان الكوميديا المصرية
إذا كانت الكوميديا المصرية قد مرت بمحطات كثيرة، فإن اسم عبد المنعم مدبولي يظل واحدًا من المعالم الكبرى التي لا يمكن تخطيها. هو الأب الروحي لجيل كامل من الممثلين، والمهندس الذي أعاد صياغة الضحك بأنماط فنية جديدة، والإنسان الذي منحه الجمهور لقبًا لا يُشترى ولا يُمنَح: "بابا عبده". في هذا المقال سنقترب من حياة هذا الفنان الاستثنائي، ونستعرض مسيرته في السينما والمسرح والتلفزيون، ونرصد بصمته العميقة التي غيّرت وجه الفن المصري لعقود.
البدايات… طفل يرسم الضحكة في أزقة حي السيدة زينب
وُلد عبد المنعم مدبولي في 28 ديسمبر 1921 في حي السيدة زينب بالقاهرة، ذلك الحي الشعبي الذي كان مسرحًا حيًا للحياة اليومية، وصندوقًا للحكايات التي أثرت خيال الصبي الصغير. منذ صغره، كان يتمتع بطاقة غير عادية على الحكي والتقليد، وكان يضحك أصدقاءه بقدرة فطرية على محاكاة الأصوات والشخصيات.
دخل عالم الفن من بوابة المدرسة، حيث كان مشاركًا دائمًا في المسرح المدرسي. ومع مرور الوقت، أدرك أن هذا الطريق ليس هواية عابرة، بل هو قدر واضح. التحق بـ المعهد العالي لفن التمثيل العربي وتخرج عام 1949 ليبدأ رحلة احترافية حقيقية.
مرحلة التأسيس: من المسرح الحر إلى فرقة الريحاني
في الخمسينيات، شارك مدبولي في تأسيس فرقة المسرح الحر، التي كانت تحمل روحًا ثورية في طرق تقديم العروض المسرحية. هناك، بدأ اسمه يبرز كواحد من أكثر الفنانين قدرة على المزج بين الأداء الكوميدي والدرامي.
بعد ذلك، انضم إلى فرقة نجيب الريحاني، الوجه الأبرز للكوميديا المصرية قبل ظهور موجة جديدة في الستينيات. وفي هذه الفرقة، ورث مدبولي مدرسة عبقري الكوميديا "الريحاني"، لكنه لم يكتفِ بالوراثة، بل طوّر أسلوبًا جديدًا يميل إلى الكوميديا الإنسانية المعتمدة على المشاعر أكثر من الإفيهات.
ميلاد المدبوليزم… مدرسة كوميدية من نوع خاص
تجمع هذه المدرسة بين:
-
خفة الظل الطبيعية
-
الأداء الارتجالي المنظم
-
الحس الإنساني العميق
-
التعبير بالجسد والنظرة قبل الكلمة
-
القدرة على المزج بين الحزن والضحك في اللحظة نفسها
أصبح "المدبوليزم" علامة فنية تُدرَّس، وأسهم في خلق جيل جديد من الكوميديا الواقعية البعيدة عن التصنّع.
مدبولي والمسرح… الأب الحقيقي للمسرح الكوميدي الحديث
إذا كان المسرح هو الفن الأصعب، فقد كان عبد المنعم مدبولي أحد أبرز فرسانه. قدم عشرات المسرحيات، بعضها أصبح أيقونة ثقافية لا تزال تُشاهَد حتى اليوم.
أهم مسرحياته:
السكرتير الفني
-
ريا وسكينة مع شادية وسهير البابلي
زقاق المدق
الفضيحة
ذات البيجامة الحمراء
خد بالك من عيالك
أولاد علي بمبه
هاللو شلبي
الناس اللي تحت، وغيرها من المسرحيات
لكن المسرحية التي ظلت علامة فارقة هي "مدرسة المشاغبين"، التي كان مدبولي أول من قام بتدريب أبطالها وصنع قالبها، حتى قبل أن تكون من أشهر أعمال عادل إمام وأحمد زكي وسعيد صالح.
وفي مسرحية "الد لوك" و"مطرب العواطف"، ظهر مدبولي كقائد مسرحي يجيد الإخراج كما يجيد التمثيل.
السينما… وجه لا يشيخ وأدوار لا تُنسى
على الرغم من أن المسرح كان عشقه الأول، إلا أن السينما فتحت له أبوابًا واسعة ليصبح أحد أكثر الوجوه المحببة لدى المشاهدين. تميّز بقدرته على الظهور بدور ثانوي وتحويله إلى دور رئيسي من فرط الإتقان والحضور.
من أبرز أفلامه:
-
الحفيد (1974) – دوره كأب كبير العائلة لا يزال من أجمل الأدوار الإنسانية
-
مولد يا دنيا
احنا بتوع الأتوبيس (مع عادل إمام)
-
مدرسة المشاغبين (فيلم)
-
مطاردة غرامية (مع فؤاد المهندس - دكتور خشبة)
-
من أجل حفنة أولاد
-
المرأة والساطور
-
ربع دستة أشرار
-
المليونير المزيف
-
أهلاً يا كابتن
أظهر مدبولي في السينما قدرة على أداء الشخصيات البسيطة دون مبالغة، ما جعله قريبًا من الجمهور على اختلاف طبقاته.
التلفزيون… بابا عبده الذي دخل كل البيوت
إذا كان المسرح هو مجد الفنان، والسينما هي شهرته، فإن التلفزيون كان هو محطة الحب الشعبي الأكبر لعبد المنعم مدبولي.
قدّم للتلفزيون عشرات الأعمال الأخرى، مثل:
-
لا يا إبنتي العزيزة
-
جحا المصري
-
أيام المرح
-
مغامرات راجل زيي وزيك
-
وكسبنا القضية
شمس يوم جديد
أولادي... وغيرها من المسلسلات
كما شارك في فوازير رمضان (فوازير "أمين وشركاه") وكان ظهورًا ذا حضور طفولي محبّب.
مدرس الأجيال… كيف أثّر مدبولي في الفن المصري؟
لا يمكن الحديث عن مدبولي دون الحديث عن تأثيره، فقد كان بحق “الأستاذ” الذي تخرج على يديه نجوم كبار:
-
عادل إمام قال عنه: "تعلمنا منه كيف نصنع ضحكة لها قيمة."
-
أحمد زكي كان يعتبره مرجعيته الأولى في الأداء الطبيعي.
-
محمد صبحي بدأ خطواته الأولى على يد مدبولي في المسرح.
ساهم مدبولي في:
-
تطوير الكوميديا المصرية من كوميديا الموقف إلى كوميديا إنسانية راقية.
-
تعليم الأجيال الجديدة الالتزام المسرحي واحترام النص.
-
المزج بين الإخراج والتمثيل بشكل غير مسبوق.
-
إثبات أن الفنان يمكنه أن يجمع بين الكوميديا والدراما في توازن نادر.
الجانب الإنساني… الفنان الذي عاش بسيطًا ومات كبيرًا
على الرغم من شهرته الواسعة، كان عبد المنعم مدبولي بسيطًا للغاية في حياته. عرفه المقربون بطيبة قلبه وتواضعه الشديد، وكان يساعد الفنانين الشباب دون مقابل. لم يسعَ يومًا إلى نجومية زائفة؛ فقد كان يرى أن الفن رسالة أكثر من كونه مهنة.
توفي في 9 يوليو 2006، لكن إرثه لا يزال حيًا. فمدبولي لم يترك أعمالًا فقط… بل ترك روحًا ما زالت تنبض في الكوميديا المصرية.
إرث لا يموت… لماذا يبقى عبد المنعم مدبولي حاضرًا؟
-
لأن أعماله ما زالت تُشاهَد وتُعيد اكتشافها أجيال جديدة.
-
لأنه قدّم الكوميديا بعين إنسانية مملوءة بالحب والخير.
-
لأنه منح الفن المصري مدرسة كاملة لا تزال تُقلَّد وتُتَّبع.
-
لأنه كان فنانًا شاملًا: ممثلًا ومخرجًا ومؤلفًا ومربيًا فنيًا.
خلاصة القول
عبد المنعم مدبولي ليس مجرد فنان كبير… بل هو ذاكرة وطن وركيزة أساسية في بناء الكوميديا المصرية الحديثة. هو الإنسان الذي جعل الضحك رسالة، والحزن فنًا، والتمثيل حياة. سيظل مدبولي حاضرًا ما بقي هناك جمهور يضحك بصدق، وفنان يحلم بأن يترك أثرًا.
اقرأ أيضًا
صفاء أبو السعود... صوت البهجة الذي غنّى للطفولة وصنع جيلًا كاملًا من الأمل
فاتن حمامة… سيدة الشاشة التي علّمت العالم كيف يكون الجمال فكرًا والتمثيل ضميرًا
هالة فاخر... بين الضحكة والدمعة: رحلة فنانة صنعت ذاكرة الدراما المصرية
شادية… زهرة الفن المصري التي غنّت للحب والوطن وبقيت خالدة في وجدان الأجيال
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا