العلاقة العاطفية مرآة تعكس أعمق الصراعات النفسية: أنماط التعلق وتنظيم الانفعالات
بقلم هند الفقي - ماجستير إرشاد نفسي |
لا تخلو العلاقات العاطفية من الأزمات والمشكلات، فعلى الرغم من أنها مصدر دفء وطمأنينة، إلا أنها في
الوقت نفسه تكشف أعمق ما في النفس من صراعاتٍ واحتياجاتٍ غير مكتملة فهي المرآة التي
تعكس ما نحمله بداخلنا من مخاوف وهشاشة، وتُظهر لنا كيف نتعامل مع القرب، والخذلان،
والاختلاف.
وحين تتداخل الرغبة في الشعور بالأمان مع
الخوف من الفقد تبدأ أنماط التعلّق القديمة في الظهور موجهةً سلوكنا العاطفي
دون وعيٍ منّا. فطريقة تعبيرنا عن مشاعرنا أو كبتها ليست مجرد ردّ فعلٍ للموقف بل امتدادٌ
لتاريخٍ داخلي من الخبرات والانفعالات التي شكّلت رؤيتنا للذات والآخرين.
تكمُن الصعوبة في
معظم الأوقات في تنظيم مشاعرالأفراد داخل العلاقة العاطفية فيتأرجح بعضهم بين الاندفاع
العاطفي الزائد والانسحاب الصامت دون وعيٍ بالدوافع النفسية الكامنة وراء هذه الاستجابات.
ويُطرح هنا السؤال:
هل ترتبط هذه الاختلافات
في التعبير عن المشاعر والانفعالات بأنماط التعلّق التي نشأ عليها الفرد في الماضي؟وكيف
تؤثر هذه الأنماط في اختيار استراتيجيات تنظيم المشاعر بين التقييم الهادئ أو الكبت
الدفاعي؟
أولاً: مفهوم التعلّق وأنماطه
وضع جون بولبي (Bowlby) نظرية التعلّق وأفترض أن الخبرات المبكرة للطفل مع الوالدين أو مقدّمي الرعاية تترك أثرًا
طويل المدى في الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع العلاقات واحتياجه للآخرين، يظهر
هذا الأثر في شكل أنماط تعلّق مختلفة هي:
1. النمط الآمن:
يشعر فيه الشخص بالثقة في نفسه وفي الآخرين، ويستطيع التعبير عن مشاعره بمرونة.
2. النمط القَلِق:
يخاف من الرفض أو الفقد، ويبحث دائمًا عن الطمأنينة الزائدة.
3. النمط التجنّبي:
يفضل الإعتماد على نفسه، ويخشى القرب الزائد أو فقدان السيطرة.
4. النمط الخائف_التجنّبي:
يعيش صراعًا بين الرغبة في القرب والخوف منه في الوقت نفسه.
ثانيًا تنظيم الانفعال:
وهو الطريقة التي يستخدمها الإنسان لإدارة مشاعره
في المواقف المختلفة.
وفي هذا المقال يتم التركيز على أستراتيجيتين أساسيتين لتنظيم الأنفعالات وهما:
إعادة التقييم المعرفي
(Cognitive Reappraisal) كمحاولة لفهم الموقف
من زاوية جديدة لتقليل شدّة الانفعال.
الكبت التعبيري
(Expressive Suppression) وهو إخفاء أو منع
التعبير عن المشاعر أثناء التفاعل في المواقف المختلفة.
وأشارت الدراسات في هذا السياق إلى أن إعادة التقييم المعرفي يُساعد على الشعور بالتوازن النفسي وبناء علاقات صحية، بينما الإفراط في الكبت التعبيري فغالباً ما يؤدي إلى تباعد عاطفي وتوتر داخلي وتصاعد الأزمات في العلاقة.
ثالثًا العلاقة بين
التعلّق وتنظيم الانفعال:
يميل الأفراد في كل نمط من أنماط التعلّق إلى استخدام استراتيجيات مختلفة في التعامل مع المشاعر:
1- فالأشخاص الآمنون يكونون أكثر قدرة على التعامل الهادئ مع
المواقف الصعبة، ويميلون لاستخدام إعادة التقييم المعرفي خاصة عندما يشعرون بالقرب
من شركائهم في العلاقة.
2- والأشخاص التجنّبيون يفضّلون كبت مشاعرهم خصوصًا في المواقف
التي تتضمن نقدًا أو خلافًا لأنهم يسعون للحفاظ على السيطرة والبعد عن المواجهة.
3- بينما الأشخاص القَلِقون يعبرون عن مشاعرهم بقوة لجذب انتباه
الشريك، لكنهم قد يلجأون للكبت أحياناً إذا شعروا بأن الشريك يتجاهلهم أو ينسحب.
4- أما الأشخاص الخائفون-التجنّبيون يتنقّلون بين التعبير والكبت
حسب الموقف ودرجة الأمان التي يشعرون بها.
رابعًا دورالسياق العاطفي:
لا يتوقف تنظيم الانفعالات
على سمات الشخص وخصائصه الفردية فقط، بل يتأثر بسلوك الطرف الآخر وطبيعة العلاقة
بينهم.
فعندما يشعر الشخص
الآمن بالقرب والاحتواء يصبح أكثر مرونة في التفكير والتعامل، بينما الشخص التجنّبي يزداد انغلاقًا وكبتًا
عندما يواجه شريكًا ناقدًا أوغاضبًا.
أما الشخص القَلِق
فيعبّر أكثر عندما يشعر أن الطرف الآخر متفهم، ويكبت أكثر عندما يشعر بالرفض،وهذا ما
تسميه الدراسات بـ المعايرة الانفعالية (Calibrating
Emotion Regulation) أي أن الأفراد يضبطون استجاباتهم الانفعالية بناءً على الموقف
وسلوك الشريك.
خاتمة:
أن فهم نمط التعلّق
يساعد في تفسير كثير من الصعوبات العاطفية داخل العلاقات فالشخص الذي يُدرك ميله للكبت أو الإفراط في
التعبيرعن مشاعره يُمكنه العمل على تعديل استجاباته وتحسين تواصله ليتمكن من
التعامل بطرق أكثر توازنًا مع مشاعره وصراعاته.
ولأن تنظيم الأنفعالات ليس مجرد مهارة نفسية بل هو
مرآة تعكس عمق الأمان العاطفي بداخل الأفراد فالأشخاص الذين نشأوا في بيئة مستقرة آمنة
يكونون أكثر قدرة على تهدئة أنفسهم وإعادة النظر في المواقف الصعبة، بينما من يحملون
جراح الارتباط المبكرفي الماضي يعانون غالبًا من الإفراط أو الكبت في التعبيرعن
مشاعرهم.
وتبقى المرونة و
التعامل الواعي مع المشاعربعيداً عن التطرف بين الكبت والأندفاع هي العلامة الأوضح
على النضج العاطفي والأستقرار النفسي.
مقال رائع ومادة علمية ممتازة
ردحذفنشكركم على التعليق الإيجابي والبناء وندعوكم للاستفادة من مقالات المدونة في كافة المجالات
حذفمقال رائع يغطي كل جوانب الموضوع باسلوب بسيط ولكن غني بالمادة العلمية
ردحذف