عبد السلام النابلسي: أناقة الكوميديا وذكاء الدور الثاني الذي صنع مجدًا لا يُنسى
في تاريخ السينما العربية، هناك ممثلون لم يحملوا صفة "البطل الأول" على الأفيش، لكنهم كانوا أبطالًا حقيقيين في الوجدان. ويأتي في مقدمة هؤلاء الفنان عبد السلام النابلسي، الذي استطاع عبر ذكائه، وخفة ظله الراقية، وحضوره المختلف، أن يصنع لنفسه مكانة فنية لا تقل أهمية عن نجوم الصف الأول.
لم يكن النابلسي ممثلًا عاديًا، بل كان ظاهرة فنية خاصة، جمعت بين الكوميديا الاجتماعية، والرقي الأرستقراطي، والسخرية الذكية من الطبقات والأنماط البشرية، ليصبح أحد أهم أعمدة السينما المصرية في العصر الذهبي.
الميلاد والجذور والنشأة
وُلد عبد السلام النابلسي عام 1899 في مدينة طرابلس الشام (لبنان حاليًا)، لأسرة عربية مثقفة، ثم انتقل في مرحلة مبكرة من حياته إلى مصر، التي أصبحت وطنه الفني الحقيقي، ومنها انطلقت مسيرته الطويلة.
امتلك منذ صغره:
-
ثقافة لغوية عالية
-
إلمامًا بالأدب والمسرح
-
قدرة لافتة على تقليد الشخصيات الاجتماعية
وهي عناصر شكّلت لاحقًا الأساس المتين لشخصيته الفنية الفريدة.
البدايات المهنية قبل التمثيل
قبل دخوله عالم الفن، عمل عبد السلام النابلسي في:
-
الصحافة
-
الترجمة
-
الكتابة
وهو ما أكسبه:
-
حسًا نقديًا
-
قدرة على فهم النص
-
وعيًا بالشخصية قبل أدائها
وعندما اتجه إلى التمثيل، لم يكن وافدًا ساذجًا، بل فنانًا مثقفًا يعرف ماذا يقدم ولماذا.
الدخول إلى عالم التمثيل وبدايات السينما
بدأ عبد السلام النابلسي التمثيل في ثلاثينيات القرن العشرين، في مرحلة كانت فيها السينما المصرية لا تزال تتشكل، ووجد فيها مساحة واسعة لتقديم شخصيات جديدة وغير نمطية.
منذ ظهوره الأول، لفت الأنظار لأنه:
-
لا يشبه أحدًا
-
يمتلك حضورًا صوتيًا مميزًا
-
يجيد استخدام اللغة والحركة بدقة
ولم يتأخر في أن يصبح عنصرًا أساسيًا في أي عمل يشارك فيه.
ملامح أسلوب عبد السلام النابلسي التمثيلي
1. كوميديا الذكاء لا الإفيه
كان النابلسي يعتمد على:
-
التلاعب اللغوي
-
السخرية غير المباشرة
-
التناقض بين الشكل والمضمون
2. الأرستقراطي الساخر
اشتهر بتجسيد:
-
الباشا
-
البك
-
الرجل الأنيق
-
المثقف الانتهازي أحيانًا
لكنه كان دائمًا يقدم هذه الشخصيات بتهكم لطيف يكشف تناقضاتها.
3. الاقتصاد في الأداء
لا يصرخ، لا يبالغ، لا يفتعل… بل يترك للموقف أن يصنع الضحك.
عبد السلام النابلسي والسينما المصرية
شارك عبد السلام النابلسي في عشرات الأفلام، وغالبًا ما كان:
-
نجم الدور الثاني
-
صانع التوازن الدرامي
-
عنصر الجذب الكوميدي الذكي
التعاون مع كبار النجوم
عمل مع نخبة من نجوم السينما المصرية، من بينهم:
-
عبد الحليم حافظ أهمها فيلم يوم من عمري في دور المصور الصحفي
-
إسماعيل ياسين: اسماعيل ياسين في الأسطول، حلاق السيدات، إسماعيل ياسين في البوليس الحربي... إلخ.
-
شادية
عمر الشريف مثل فيلم سيدة القصر
وكان حضوره دائمًا:
إضافة نوعية لا يمكن تجاهلها.
أدواره الأشهر
غالبًا ما لعب دور:
-
الصديق
-
المستشار
-
المدير
-
الرجل المخادع الظريف
وهي أدوار تحولت على يديه إلى نماذج إنسانية خالدة.
النابلسي وفريد الأطرش… ثنائي مختلف
يُعد تعاونه مع الفنان فريد الأطرش من أبرز محطات مسيرته، حيث شكّلا ثنائيًا سينمائيًا مميزًا:
-
فريد: العاطفة والموسيقى
-
النابلسي: العقل والسخرية
وكان هذا التناقض سببًا في نجاح عدد كبير من الأفلام الغنائية الكوميدية.
المسرح… حضور أقل وتأثير ثابت
رغم أن شهرته السينمائية طغت على حضوره المسرحي، فإن عبد السلام النابلسي شارك في عدد من العروض المسرحية، مستفيدًا من:
-
ثقافته اللغوية
-
خبرته الأدبية
-
قدرته على الإلقاء
إلا أن السينما كانت المجال الأوسع والأكثر ملاءمة لطبيعته الفنية.
الحياة الشخصية… صراع خلف الكاميرا
رغم خفة ظله على الشاشة، عانى عبد السلام النابلسي في حياته الشخصية من:
-
أزمات مالية
-
مشكلات صحية
-
صراعات نفسية
وخاض في سنواته الأخيرة ظروفًا صعبة، خاصة بعد ابتعاده التدريجي عن الأضواء، في زمن لم يكن يُنصف الفنان بعد تقدّم العمر.
الرحيل خارج مصر… نهاية حزينة لفنان كبير
رحل عبد السلام النابلسي عام 1968 في لبنان، بعيدًا عن مصر التي صنع فيها مجده، في نهاية حملت قدرًا كبيرًا من التناقض:
-
فنان أضحك الملايين
-
عاش أيامه الأخيرة في وحدة نسبية
لكن رحيله لم يُنهِ حضوره، إذ بقيت أعماله شاهدة على موهبة استثنائية.
تقييم الإرث الفني لعبد السلام النابلسي
يمثل عبد السلام النابلسي:
-
نموذج الممثل المثقف
-
أيقونة الدور الثاني الذكي
-
مدرسة في الكوميديا الراقية
ويمكن اعتباره:
أحد أهم من أثبتوا أن البطولة ليست حجم الدور، بل أثره.
خاتمة: فنان أنيق في زمن الأناقة
عبد السلام النابلسي لم يكن مجرد ممثل كوميدي، بل كان مرآة ساخرة للمجتمع، قدّم الضحك مقرونًا بالفهم، والابتسامة محمّلة بالمعنى. عاش للفن، ورحل بهدوء، لكنه ترك خلفه إرثًا يجعل اسمه حاضرًا كلما ذُكرت الكوميديا الذكية في السينما العربية.
اقرأ أيضًا
شكري سرحان: الوجه الهادئ الذي حمل وجع الإنسان المصري على شاشة السينما
زكي رستم: سيد الشر النبيل الذي علّم السينما كيف تصنع الهيبة
محسنة توفيق: ملامح الصدق الإنساني وصوت المرأة البسيطة في سينما الواقع
عبد المنعم إبراهيم: عبقرية القلق الجميل وصوت الإنسان العادي في الكوميديا المصرية
كمال الشناوي: أناقة الأداء ووجه التحولات في السينما المصرية
فاروق الفيشاوي: الممثل الذي اختار المخاطرة طريقًا والبقاء أثرًا
نجاة الصغيرة: الصوت الذي همس للعاطفة وصنع ذاكرة الحب في الوجدان العربي
سيد درويش: الموسيقى حين خرجت من القصور إلى الشارع وصارت لسان الناس
الضيف أحمد: الضحكة التي سبقت زمنها ورحلت قبل أن تكتمل الحكاية
علي الكسار: من «عثمان عبد الباسط» إلى ذاكرة الضحك الشعبي في المسرح والسينما المصرية
سعيد صالح: ضحكة مشاكسة كسرت القواعد وكتبت تاريخًا آخر للكوميديا المصرية
تحية كاريوكا: من جسدٍ يرقص إلى عقلٍ يشتبك… سيرة فنانة صنعت دورها بوعي لا بضجيج
جورج سيدهم: الضحك الذي كان يمشي على أطراف الحزن
محمد عبد الوهاب: حين تحوّلت الموسيقى إلى مشروع نهضة فنية عربية
أنور وجدي: الرجل الذي صنع نجمَه بيده وأعاد تشكيل السينما المصرية
ليلى مراد: الصوت الذي جمع الطرب بالبراءة وصنع أسطورة الرومانسية في السينما المصرية
زينات صدقي: الكوميديا التي أخفت وجعها وضحكت نيابة عن جيل كامل
أحمد زكي: من حروف السينما إلى إقناع الكاميرا — قراءة في شخصيته الفنية ومسيرته الإبداعية
علاء ولي الدين: فنان الفطرة الذي أعاد للكوميديا روحها الأولى ورحل قبل أن يكمل الحلم
حسن حسني: معمار البهجة وصانع الظلّ الصامت في تاريخ الكوميديا المصرية
محمود ياسين: صوت الزمن الجميل الذي صنع مجده بالعقل والهيبة والإنسانية
محمود عبد العزيز: الساحر الذي أعاد كتابة معايير النجومية في السينما المصرية
نجيب الريحاني… صانع البسمة العميقة ومهندس الكوميديا الراقية في مصر
كلمات مفتاحية
عبد السلام النابلسي، السيرة الذاتية لعبد السلام النابلسي، أفلام عبد السلام النابلسي، الكوميديا المصرية، نجوم الزمن الجميل، فريد الأطرش.
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا