الصدمة العاطفية: التأثير والتعافي
بقلم/ هند الفقي - ماجستير إرشاد نفسي
كل تجربة فقد أو ترك لشخص عزيز اعتدنا وجوده في حياتنا تترك أثراً عميقًا
في أنفسنا فأنها ليست مجرد شعور بالحزن أو الوحدة بل أنها تمتد لتدخل في أعماق
تفكيرنا وتعيد تشكيل الطريقة التي نرى بها أنفسنا والعالم من حولنا وتجعل العقل
يعيد ترتيب معانيه ومعتقداته .
العقل والصدمات
بعد التعرض لهذه الصدمات قد يبدأ العقل أحيانًا في إنتاج أفكار تلقائية
مشوهة (سلبية) مثل لوم الذات على ما حدث أو توقع خسارة الآخرين في كل علاقة أو حتى
التشكيك في قيمة الذات. هذه الأفكار لا تأتي بمفردها، بل يتولد معها العديد من
المشاعر المتشابكة: كالقلق، الخوف، الحزن، الغضب، الشعور بالذنب وسلوكيات دفاعية تخلق
حلقة من الصراع المستمر بين الشعور بالألم والخسارة.
أولاً: الصدمة العاطفية
هي تجربة نفسية شديدة تؤدي إلى اضطراب في المشاعر والسلوكيات
نتيجة فقد، تخلي، إساءة، أو حدث صادم آخر.
والسبب في ذلك يعود إلى:
الارتباط العاطفي العميق: كل شخص فقدناه كان
جزءًا من حياتنا اليومية وكياننا العاطفي أو النفسي.
اختلال التوقعات: توقعاتنا بأن الحياة
ستكون مستقرة وأن الأشخاص المهمين سيبقون معنا مهما حدث يُغير نظراتنا للحياة.
تأثير الذاكرة العاطفية: الذكريات المشتركة
مع الشخص المفقود تُحفز مشاعرالألم بأستمرار.
علم النفس العصبي أشار إلى أن الصدمات العاطفية تؤثرعلى اللوزة
الدماغية (المسؤولة عن الخوف والانتباه للخطر) والقشرة الجبهية (المسؤولة عن التفكير
المنطقي واتخاذ القرارات) مما يجعل العقل أكثر استعدادًا لتوليد أفكار تلقائية سلبية
حتى لو لم يكن هناك تهديدات حقيقية.
ثانياً: تأثير الصدمة على التفكير
أحياناً يلجأ العقل إلى أساليب تفكير دفاعية مشوهة لمحاولة فهم ما حدث والسيطرة على الألم،
لكنها تزيد الألم النفسي بدلاً من تخفيفه تتمثل في:
التعميم المفرط يظهر كنمط تفكيريجعل الشخص يرى أن كل علاقاته ستنتهي
بالفشل مما يولد عنه شعوراً بالعزلة وخوف من الانخراط في علاقات جديدة.
الاستدلال العاطفي يظهر كنمط
تفكيريسبب للشخص الشعور بالوحدة وأنه غير محبوب ويؤدي إلى إحباط مستمر وفقدان الثقة
بالنفس .
قراءة الأفكار تظهر كنمط تفكير
يجعل الشخص يظن أن الآخرلم يعد مُهتم مما يؤدي إلى سوء فهم الآخرين وتوتر العلاقات.
الكارثية تظهر كنمط تفكير
يجعل الشخص يتوقع أن أي فقد آخر سيكون أسوأ تجربة ممكنة، مما يسبب الشعور بالقلق الدائم
وتوقع أسوأ النتائج.
التخصيص يظهر كنمط تفكير
يجعل الشخص يُحمل نفسه مسؤولية كل فقد أو حدث سلبي فيؤدي إلى زيادة الشعور بالذنب
وجلد الذات.
ثالثًا: تأثير الصدمة على المشاعر
الصدمات لا تؤثر على التفكير فقط بل تترك مشاعر متشابكة ومعقدة منها:
الحزن العميق: يخلق عنه شعور مستمر
بالفراغ والافتقاد.
القلق والخوف: خوف من فقدان الآخرين
أو من تكرار التجربة.
الغضب واللوم: وقد يكون موجهًا
للآخرين أو للنفس.
الشعور بالذنب: التفكير في ما كان
يمكن فعله أو قوله لتجنب الصدمة أو الفقد.
هذه المشاعر ليست مجرد رد فعل عاطفي ولكن ايضاً لها
تأثيرعلى الصحة النفسية والجسدية وتؤدي أحيانًا إلى الاكتئاب أو اضطرابات القلق.
رابعًا: تأثير الصدمة على السلوك
الأفكار والمشاعر الناتجة عن الصدمة تؤدي إلى سلوكيات دفاعية تتمثل في:
1- الإنسحاب الإجتماعي خوفًا من التعرض لمزيد من الخسارة.
2- التشبث بالذكريات والعيش في الماضي وعدم القدرة على المضي
قدمًا في الحياة.
3- محاولة السيطرة على الآخرين كحماية للعلاقة و للنفس من
الفقد مجددًا.
4- تجنب تكوين علاقات جديدة خوفاً من الألم المتوقع.
مثل هذه السلوكيات تعمق الشعور بالألم وتخلق حلقة مفرغة
من الأفكار المشوهة، زيادة الشعور بالألم الداخلي، المزيد من السلوكيات الدفاعية.
خامسًا: خطوات للتعافي من الصدمة العاطفية
التعافي لا يعني النسيان، بل فهم أثره على العقل والمشاعروتعلم
التعامل معه بطريقة صحية.
وللتعافي خطوات عملية:
1. الملاحظة: لاحظ أفكارك ومشاعرك بعد التعرض
لألم نفسي.
2. التقييم الواقعي: أسأل نفسك هل هذه الأفكار حقيقية
أم مجرد شعورأوافتراض؟
3. إعادة البناء: استبدل أفكارك التلقائية السلبية
بأفكار تكون أكثرإيجابية ورحمة.
مثال للفكرة التلقائية السلبية "أشعر أني غير محبوب" الفكرة البديلة
الإيجابية "الفقد جزء من الحياة وأنا أستحق الحب والرعاية".
4. اللطف الذاتي: كن رحيماً بذاتك واعتبر أفكارك
التلقائية السلبية مجرد آلية دفاعية حاولت حمايتك.
5. التواصل والدعم: التحدث مع أصدقاء مقربين أو معالج
نفسي يمكن أن يخفف الألم ويعزز التعافي.
مع الممارسة يبدا العقل في تخفيف القلق المستمر وإعادة
بناء الثقة بالنفس والعلاقات ، استعادة السلام الداخلي.
اقرأ أيضًا
مُعضلة العلاقات الإنسانية: الغفران والتخلي
رائع جدا
ردحذفماشاء الله ،بالتوفيق اللهم آمين
ردحذف