مُعضلة العلاقات الإنسانية: الغفران والتخلي
ما من شئ يُلامس أعماقنا ويُؤلمنا كالشعور بالأذى. فكل جُرحٍ أو خُذلان ٍ
يضعنا أمام سؤال صعب ومفترق طرق:
أنغفر فنُعيد السلام لأنفسنا ليكون الخلاص في الغفران أم نتخلى ونترك لنحمي ما تبقى منها؟
تلك المُعضلة التي تمثل صراعاً بين القلب والعقل، بين الرغبة في البقاء
والحاجة إلى النجاة فالغفران والتخلي يمثلان عمليتين محوريتين في التعافي
النفسي والعاطفي خاصة في سياق العلاقات القريبة كالعلاقات العاطفية والأسرية.
وللموضوع زوايا متكاملة وعدة جوانب: معرفية،عاطفية،
سلوكية .
أولاً الغفران:
الغفران ليس مجرد تسامح أو تصرف أخلاقي بل عملية نفسية مُعقدة تبدأ بالاعتراف بالألم وتنتهي بإعادة بناء المعنى،
يتطلب الغفران المرور
بثلاث مراحل:
1. الاعتراف بالأذى دون إنكار المشاعر أو قمعها.
2. تحويل الغضب إلى تعاطف من خلال الوعي بدوافع الطرف الآخر.
3. استعادة السيطرة الداخلية من خلال ترك الماضي دون إنكاره.
فالغفران ليس مجرد قرار بلا مشاعر، ولكنه يُعتبر عملية معرفية - عاطفية وشكل من أشكال الشفاء
الذاتي يُبنى على وعي يُعيد للفرد السيطرة على ذاته بعد التعرض للأذى ولا يكون
فعلاً صادقاً إلا حين ينبع من تقييم حقيقي
لطبيعة العلاقة ومن إدراك واعٍ لما يمكن إصلاحه أو التخلي عنه.
إنه عملية تحويل الألم إلى بصيرة لا إنكار أو تبرير، وتحويل الغضب إلى
مساحة تعاطف. فالغفران في جوهره تحرّر من قبضة التعلّق بالأذى لنرى
به ما وراء الجرح ونتعلم منه كيف نحيا دون مرارة، وغفران بلا وعي يعد هروب من الألم.
فالغفران لا يُثمر إلا حين يرافقه وعي بالنفس فحين نغفر
بوعي نُعيد لأنفسنا السلام.
ثانياً التخلي:
التخلي لا يعني قطع العلاقات أوالهروب من المشاعر بل هو تحرير
نفسي من دائرة الأذى المتكررة.
فمن الناحية المعرفية يقوم على:
- إدراك أن الألم جزء من التجربة لا من الهوية
- تقبّل ما لا يمكن تغييره دون مقاومة
- التخلي عن أنماط التفكير والمعتقدات التي تُبقي الفرد عالقاً بالماضي
فالأفراد الذين يطوّرون القدرة على القبول والتخلي الواعي
يظهر لديهم مستوى أعلى من المرونة النفسية (resilience)، وتنخفض لديهم أنماط
التفكير الاجتراري واللوم الذاتي، ويوجد ارتباط وثيق بين التخلي الواعي وارتفاع الوعي
اللحظي (التعقل) (mindfulness) مما يجعل الشخص أكثر قدرة على عيش اللحظة دون أسر للماضي.
التخلي الصحي لا يقوم على الإنكار والقسوة بل أن تُدرك أن التمسك بما هو مؤلم
والأستمرار فيه يمنعك من النمو النفسي والعاطفي ، فهو يمثل شكل من أشكال الحب
الناضج للذات من خلال القدرة على الترك باحترام فمن يترك بدافعٍ واعي لا يعيش
الندم بل يستعيد طاقته للحياة من جديد.
خاتمة
الغفران يحرّرنا من مشاعر الماضي والتخلي يحرّرنا من التعلق
بالمستقبل بما لم يعد مناسبًا لنا وأن الوعي والقبول هما الجسر بينهما.
كلا العمليتين (الغفران والتخلي) تشكلان معًا آلية شفاء نفسية
عاطفية متكاملة تُمكّن الإنسان من استعادة ذاته بعد الألم وتسمح له بالنمو بدلًا من
الجمود أو الاستمرار في دوائر الأذى ،ولا بأس إن عجزت عن الغفران أو التخلي فذلك لا
يعني ضعفاً بل يعني أن الجرح أعمق مما يبدو -ففي ذلك الوقت- لا حرج من طلب المساعدة
من استشاري نفسي أو صديق واعٍ يستطيع الإصغاء دون حُكم فبعض الأدوار لا نستطيع القيام
بها بمفردنا وبعض الأوجاع تحتاج عونًا لتفكيكها.
مقال علمي رائع .. تحياتي وفي انتظار المزيد
ردحذفنشكرك على التعليق الإيجابي البناء وندعوك لمشاركة المقالات المفيدة مع آخرين ... هدفنا نشر الثقافة والعلم في مختلف المجالات
حذفتحيات أسرة مدونة بذور
ماشاءالله ياهنود/ ناهد جمال الدين
ردحذفنشكرك على التعليق الإيجابي البناء وندعوك لمشاركة المقالات المفيدة مع آخرين ... هدفنا نشر الثقافة والعلم في مختلف المجالات
حذفتحيات أسرة مدونة بذور