قنا… بوابة التاريخ وسحر الجنوب في قلب مصر
محافظة قنا من المحافظات المصرية التي تجمع بين عبق التاريخ وروح الحاضر، فهي أرض ضاربة في عمق الزمن منذ العصور الفرعونية مرورًا باليونانية والرومانية والقبطية وحتى العصر الإسلامي الحديث. لا تقتصر أهمية قنا على كونها مركزًا للآثار والتاريخ، بل تمتد لتشمل موقعها الجغرافي المتميز في صعيد مصر، وطبيعتها السكانية والاجتماعية، وأنشطتها الاقتصادية المتنوعة.
هذا المقال يستعرض بشكل مفصل معنى اسم المحافظة
وسبب التسمية، موقعها، تاريخها، أهم الآثار فيها، أبرز شخصياتها التاريخية، وخصائص
سكانها، مع إضاءة على النشاط الاقتصادي الذي يميزها، لتظل قنا شاهدًا على تلاحم
الماضي بالحاضر.
معنى وسبب التسمية
اسم "قنا" يعود إلى أصول
قديمة. يرى بعض الباحثين أن الاسم مستمد من الكلمة المصرية القديمة "كيني" أو "قيني" والتي
تعني "المدينة المستقيمة" أو "الطريق"، وذلك إشارة إلى موقعها
المميز على ضفاف النيل كحلقة وصل بين الشمال والجنوب. وفي العصور القبطية أطلق
عليها اسم "قينة" أو "قينة"، قبل أن يستقر الاسم في العصر الإسلامي على
"قنا"، وهو اللفظ الدارج حتى اليوم.
الموقع الجغرافي لمحافظة قنا
تقع محافظة قنا في صعيد مصر، على الضفة
الشرقية والغربية لنهر النيل. يحدها من الشمال محافظة سوهاج، ومن الجنوب محافظة الأقصر، ومن الشرق البحر الأحمر، ومن الغرب محافظة الوادي الجديد.
- المساحة: تبلغ
مساحتها نحو 10,000 كم² تقريبًا.
- الموقع
الاستراتيجي: يربط موقع قنا بين محافظات الوجه القبلي وساحل البحر
الأحمر عبر طريق قنا – سفاجا الذي يعد شريانًا حيويًا
للتجارة والنقل.
تاريخ محافظة قنا منذ نشأتها
قنا من المحافظات العريقة التي عرفت
الاستيطان منذ عصور ما قبل التاريخ، حيث سكنت المنطقة جماعات بشرية اعتمدت على
الزراعة والصيد.
- العصر
الفرعوني: برزت قنا كمركز مهم ضمن إقليم "واست" (طيبة –
الأقصر حاليًا)، وكانت قراها مثل قفط ونقادة مراكز
لعبادة الآلهة، كما اشتهرت كمحطة تجارية على طرق القوافل.
- العصر
اليوناني والروماني: أصبحت قفط (كوبتوس) مدينة تجارية كبرى تربط بين وادي
النيل والبحر الأحمر.
- العصر
القبطي: لعبت المنطقة دورًا بارزًا في انتشار المسيحية، ولا تزال
الأديرة والكنائس شاهدة على تلك الحقبة.
- العصر
الإسلامي: اتخذت قنا أهمية جديدة مع توسع الزراعة والتجارة، وتوطدت
أهميتها في العصر الفاطمي والأيوبي والمملوكي.
- العصر
الحديث: مع التقسيم الإداري لمحافظات مصر، أصبحت قنا محافظة
مستقلة عام 1897، وجرى تطويرها لتكون إحدى محافظات الصعيد المحورية.
المسميات التاريخية لقنا
عرفت قنا عبر العصور بأسماء عدة منها:
- كوبتوس
(قفط): اسمها في العصر اليوناني والروماني.
- قينة: في
الحقبة القبطية.
- قنا: وهو
الاسم الذي استقر في العصر الإسلامي وحتى الآن.
الآثار في محافظة قنا
قنا غنية بالآثار التي تعود لمختلف
الحقب:
- قفط
(كوبتوس): مركز تجاري قديم ومعابد فرعونية مثل معبد مين إله الخصوبة
والرحلات.
- نقادة: منطقة
أثرية مهمة تضم مقابر فرعونية تعود لعصر ما قبل الأسرات.
- هو
(نقادة): مقابر ترجع إلى الدولة القديمة والوسطى.
- الأديرة
القبطية: مثل دير الملاك ميخائيل ودير مارجرجس.
- الآثار
الإسلامية: من أبرزها المساجد القديمة مثل مسجد سيدي عبد الرحيم
القنائي الذي يعد أحد أهم المزارات الدينية الإسلامية في الصعيد.
أهم الشخصيات التاريخية من أبناء قنا
أنجبت قنا العديد من الشخصيات البارزة
في السياسة والعلم والأدب والدين، نذكر منها:
- الشيخ
عبد الرحيم القنائي: من أعلام التصوف الإسلامي، وقبره مزار شهير يقصده آلاف
الزوار.
- الزعيم
جمال عبد الناصر: الرئيس المصري الأسبق وأحد أبرز القادة العرب في القرن
العشرين، وُلد في قرية بني مر بمحافظة أسيوط، لكن أصول أسرته تمتد إلى قنا
حيث عاش جزء من عائلته.
- الأديب
أحمد الطيب شرف الدين: أحد الأدباء المبدعين في صعيد مصر.
- الدكتور
علي عبد الرحمن: سياسي ومفكر بارز.
- الشيخ
الطيب: عائلة الطيب من قنا أنجبت شخصيات مؤثرة أبرزها الإمام
الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الحالي.
الخصائص السكانية لمحافظة قنا
- عدد
السكان: يقدر عدد سكان قنا بحوالي 3.5 مليون
نسمة.
- التركيب
السكاني: غالبية السكان من الريف، حيث تتركز الكثافة السكانية في
القرى على ضفاف النيل، بينما تنتشر قبائل عربية في الصحراء الشرقية.
- الطابع
الاجتماعي: يتميز سكان قنا بالكرم، والتمسك بالعادات والتقاليد، مع
روح الانتماء للعائلة والقبيلة.
- التنوع
الديني: تضم قنا مسلمين ومسيحيين يعيشون في نسيج اجتماعي متماسك.
الأنشطة
الاقتصادية في محافظة قنا
- الزراعة:
- تعد
قنا من المحافظات الزراعية الرائدة، وتشتهر بزراعة قصب السكر الذي يمثل
المورد الأساسي لمصانع السكر المنتشرة في نجع حمادي ودشنا وقوص.
- كما
تشتهر بزراعة القمح والذرة والقطن والفاكهة.
- الصناعة:
- أبرز
الصناعات: صناعة السكر، الصناعات الغذائية، المنسوجات، وصناعة الألومنيوم في
مجمع نجع حمادي.
- التجارة:
- موقع
قنا على طريق قنا – سفاجا يجعلها نقطة رئيسية للتبادل التجاري بين الصعيد
والبحر الأحمر.
- السياحة:
- السياحة
الدينية: مزار سيدي عبد الرحيم القنائي.
- السياحة
الأثرية: نقادة وقفط.
- السياحة
البيئية: قربها من الصحراء الشرقية والواحات.
التعليم والثقافة في قنا
قنا مركز علمي وثقافي مهم، حيث
تضم جامعة جنوب الوادي التي تعد من كبرى الجامعات المصرية،
وتساهم في نشر التعليم العالي والثقافة بين أبناء الصعيد. كما تنتشر المراكز
الثقافية التي تعزز النشاط الأدبي والفني.
قنا في الحاضر والمستقبل
قنا اليوم تسير بخطى متسارعة نحو
التنمية، عبر مشروعات البنية التحتية، وإنشاء محاور وطرق جديدة، وتطوير التعليم
والصحة. كما تستعد لأن تكون محورًا اقتصاديًا مهمًا في صعيد مصر بفضل موقعها
ومقدراتها الطبيعية والبشرية.
ختامًا
محافظة قنا ليست مجرد بقعة جغرافية
على خريطة مصر، بل هي أيقونة من أيقونات التاريخ والحضارة، ومرآة صادقة لصعيد مصر
بما يحمله من عراقة وتقاليد وإنجازات. من آثارها العريقة، مرورًا بشخصياتها
المؤثرة، ووصولًا إلى أنشطتها الاقتصادية الحديثة، تظل قنا محافظة تجسد روح مصر
الأصيلة وتربط بين الماضي والحاضر، وتفتح أبواب الأمل لمستقبل واعد.
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا