علي مصطفى مشرفة... عبقري الفيزياء العربي الذي تحدّى حدود الزمان والمكان

علي مصطفى مشرفة... عبقري الفيزياء العربي الذي تحدّى حدود الزمان والمكان

عبقرية مصرية خالدة في سجل العلم العالمي

في زمنٍ كانت فيه العقول العربية تُعاني من الإقصاء والهيمنة الفكرية الغربية، بزغ نجم رجلٍ مصريٍّ آمن بأن العقل العربي قادر على منافسة أعظم العقول في أوروبا. ذلك الرجل هو الدكتور علي مصطفى مشرفة، أحد أبرز العلماء العرب في القرن العشرين، والعقل الذي وصفه أينشتاين بأنه "نظيري في الشرق".

لم يكن مشرفة مجرد فيزيائي بارع، بل كان مفكرًا إنسانيًا، ومربيًا للأجيال، ورمزًا وطنيًا مؤمنًا بدور العلم في نهضة الأمم. في هذا المقال نغوص في تفاصيل حياته، ونتتبع رحلته من طفولته في دمنهور إلى قمة المجد العلمي في لندن، ثم إلى رحيله الغامض الذي ما زال يثير الجدل حتى اليوم.
علي مصطفى مشرفة، العالم المصري، الفيزياء النظرية، النظرية النسبية، أينشتاين، تاريخ العلماء العرب، العباقرة العرب، جامعة القاهرة، الطاقات الذرية، العلماء المصريون

النشأة والبدايات... طفلٌ يسبق عصره

وُلد علي مصطفى مشرفة في 11 يوليو عام 1898 بمدينة دمنهور بمحافظة البحيرة، في أسرة ميسورة الحال تنتمي إلى الطبقة المتعلمة. والده كان من أوائل المتعلمين الذين عملوا في التعليم، وقد غرس في ابنه حب المعرفة والانضباط منذ نعومة أظافره.
انتقل مع أسرته إلى القاهرة وهو في الثامنة من عمره، والتحق بمدرسة العباسية الابتدائية، وهناك بدأت ملامح العبقرية تظهر بوضوح. كان الأول دائمًا في صفه، لا يرضى بالنتائج المتوسطة، ويمتلك فضولًا لا يهدأ.

في سن الثالثة عشرة، حصل على الشهادة الابتدائية بتفوق، لكن بعد فترة قصيرة فقد والده إثر إصابته بمرضٍ مفاجئ، ما ترك أثرًا عميقًا في نفسه. تحمل مسؤولية الأسرة رغم صغر سنه، وواصل دراسته بكل إصرار ليصبح نموذجًا في الجد والاجتهاد والمسؤولية المبكرة.

التعليم العالي... رحلة نحو العالمية

بعد تفوقه في الثانوية العامة، التحق مشرفة بمدرسة المعلمين العليا، ثم أوفدته الحكومة المصرية في بعثة إلى إنجلترا لاستكمال دراسته. هناك التحق بجامعة نوتنجهام، ثم انتقل إلى جامعة لندن حيث حصل على درجة البكالوريوس في العلوم بمرتبة الشرف الأولى عام 1917.
لم يتوقف طموحه عند ذلك الحد، بل واصل دراسته حتى حصل على دكتوراه في فلسفة العلوم (PhD) عام 1923 من نفس الجامعة، وكان موضوعها عن النظرية النسبية والكهروديناميكا، وهي مجالات كانت في تلك الفترة حديثة جدًا حتى في أوروبا.

ولم يكتفِ بالدكتوراه فحسب، بل حصل لاحقًا على درجة الدكتوراه في العلوم (D.Sc)، وهي من أعلى الدرجات العلمية في بريطانيا، ليصبح بذلك أول مصري وعربي ينالها. وقد علّقت الصحف البريطانية آنذاك قائلة:

"شاب مصري يدهش الأوساط العلمية البريطانية بعبقريته الفيزيائية."

العودة إلى مصر... بين العلم والوطن

عاد الدكتور علي مشرفة إلى مصر في منتصف العشرينيات، حاملاً حلمًا واضحًا: بناء نهضة علمية عربية حقيقية.
عمل أستاذًا للرياضيات التطبيقية في كلية العلوم بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا)، ثم أصبح عميدًا للكلية عام 1936، وهو أول مصري يتولى هذا المنصب بعد أن كان حكرًا على الأجانب.

منذ توليه العمادة، أحدث نقلة نوعية في أسلوب التعليم الجامعي؛ فشجع البحث العلمي، وسعى لتأسيس مدارس فكرية في الفيزياء النظرية، وحرص على أن تكون الجامعة منارة للفكر الحر، لا مجرد قاعات محاضرات.
كما دافع بشدة عن مجانية التعليم وإتاحته للفقراء، مؤمنًا بأن الذكاء لا يعرف طبقة اجتماعية.

إنجازاته العلمية... عندما تحدثت الفيزياء بالعربية

تُعد إنجازات علي مصطفى مشرفة حجر الزاوية في تاريخ الفيزياء العربية الحديثة. فقد تناول في أبحاثه موضوعات النظرية النسبية، وميكانيكا الكم، والإشعاع الذري، والطاقة النووية.

من أبرز أعماله العلمية:

  1. تطوير نظرية النسبية الخاصة من خلال دراسات رياضية دقيقة ساعدت في تبسيط فهمها لطلاب الفيزياء.

  2. بحوث حول العلاقة بين المادة والطاقة سبقت الإعلان عن الاستخدامات النووية بعقود.

  3. تفسير ظاهرة الإشعاع والموجات الكهرومغناطيسية بطريقة جعلت منه أحد أوائل من أدركوا إمكانية الاستفادة من الطاقة الذرية.

  4. مساهمته في حسابات البنية الذرية للمعادن، وهو ما ساعد في تطوير الصناعة الحديثة.

  5. إسهاماته في ميكانيكا الكم، حيث نشر أبحاثًا حول سلوك الجسيمات الدقيقة التي ألهمت علماءً لاحقين.

ولم يقتصر اهتمامه على البحث الأكاديمي فحسب، بل كتب كتبًا مبسطة باللغتين العربية والإنجليزية منها:

  • الذرة والقنابل الذرية

  • العلم والحياة

  • النظرية النسبية ببساطة
    وكان هدفه أن يفهم القارئ العربي هذه المفاهيم دون تعقيد.

علاقته بأينشتاين... احترام متبادل بين عبقريين

كانت العلاقة بين مشرفة وأينشتاين من أكثر الجوانب إثارة في حياته. فقد كان أينشتاين يقدّر مشرفة كثيرًا، وصرّح بأنه يرى فيه "نظيرًا له في التفكير العلمي".
تبادلا الرسائل والبحوث العلمية، وكان مشرفة أول من شرح النظرية النسبية لأينشتاين باللغة العربية. بل إن بعض المصادر تشير إلى أن أينشتاين أعرب عن إعجابه بقدرة مشرفة على تبسيط أعقد النظريات بلغةٍ علمية دقيقة وإنسانية في الوقت ذاته.

مواقفه الوطنية والإنسانية

إلى جانب علمه، كان مشرفة وطنياً مخلصاً، يؤمن بأن العلم هو طريق الحرية الحقيقية. رفض عروضًا مغرية من جامعات أجنبية للبقاء في أوروبا، وأصر على العودة إلى مصر لخدمة أبناء وطنه.
دافع بشجاعة عن حق مصر في استقلال التعليم، ووقف ضد محاولات الاستعمار الثقافي والفكري. كما كان من أوائل من نادوا بضرورة امتلاك مصر للطاقة النووية للأغراض السلمية، محذرًا من استخدامها في الدمار.

وكان أيضًا إنسانًا متواضعًا، بسيط الملبس، كريم النفس، يقضي ساعات طويلة في مساعدة طلابه دون انتظار مقابل. وكان يقول دائمًا:

"العلم لا وطن له، لكن يجب أن يكون للعالِم وطنٌ يحبه ويعمل لأجله."

وفاته الغامضة... لغز لم يُحَل حتى اليوم

في 15 يناير 1950، وُجد الدكتور علي مصطفى مشرفة ميتًا في منزله بالقاهرة في ظروف غامضة. أُعلن رسميًا أن سبب الوفاة هو أزمة قلبية، لكن كثيرين شككوا في ذلك.
هناك من قال إنه اغتيل بسبب قربه من أسرار الطاقة الذرية، خاصة أنه كان يرفض تسريب أي معلومات علمية إلى جهات أجنبية. وهناك من يرى أنه كان على وشك تحقيق كشفٍ علميٍّ كبير يغيّر موازين القوى في العالم.
مهما يكن، فإن وفاته شكلت صدمة كبرى للمجتمع العلمي المصري والعالمي، وخسارة فادحة للعرب في ميدان البحث العلمي.

إرثه الخالد وتأثيره المستمر

لم يمت علي مصطفى مشرفة في الحقيقة، بل خلدته أعماله وأفكاره.
ما زالت كتبه تُدرّس في الجامعات، وأبحاثه تُذكر في المؤتمرات، واسمه يُخلّد في قلوب كل من آمن بأن العلم رسالة لا وظيفة.
ألهم مشرفة أجيالاً من العلماء العرب، ومن بينهم سميرة موسى التي كانت تلميذته، وسارت على خطاه حتى قُتلت هي الأخرى في ظروف غامضة.

كما أن تكريمه مستمر حتى اليوم؛ أطلقت مصر اسمه على مدارس وشوارع وجوائز علمية، وخلدته الأكاديمية المصرية للعلوم كأحد رموزها الأبدية.

ختامًا، فإن علي مصطفى مشرفة... ضوءٌ لم ينطفئ

لقد عاش الدكتور علي مصطفى مشرفة حياة قصيرة نسبيًا، لكنها كانت حافلة بالعطاء والإنجازات.
كان رمزًا للعقل العربي الحر الذي رفض الخضوع لقيود الجهل أو التبعية، وأثبت أن العرب قادرون على الوصول إلى أعلى قمم المعرفة إذا أُتيح لهم العلم والدعم.

رحل الجسد، لكن بقيت الفكرة، وبقيت رسالته التي تلخصها عبارته الشهيرة:

"لو لم أكن مصريًا، لوددت أن أكون مصريًا... لأخدم العلم والإنسانية من أرض الكنانة."

اقرأ أيضًا

كلمات مفتاحية

علي مصطفى مشرفة، العالم المصري، الفيزياء النظرية، النظرية النسبية، أينشتاين، تاريخ العلماء العرب، العباقرة العرب، جامعة القاهرة، الطاقات الذرية، العلماء المصريون. 











تعليقات

إرسال تعليق

هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا