ثورة البشموريين: صرخة الأقباط المنسية في وجه الخلافة العباسية

ثورة البشموريين: صرخة الأقباط المنسية في وجه الخلافة العباسية

في أعماق التاريخ المصري المليء بالانتفاضات والثورات، تبرز ثورة البشموريين كواحدة من أكثر الحركات غموضًا وعمقًا من حيث الدلالات الدينية والاجتماعية والسياسية. إنها الثورة التي اندلعت في قلب دلتا النيل في القرن التاسع الميلادي، حين انتفض الأقباط المصريون في منطقة تُعرف بـ “بشمور” ضد الحكم العباسي، احتجاجًا على الظلم والضرائب الباهظة والتمييز الديني.

لم تكن ثورة البشموريين مجرد تمرد محلي محدود، بل كانت صرخة حضارة حاولت الدفاع عن هويتها في وجه سلطة قاهرة، ومشهدًا نادرًا من المقاومة الشعبية التي اجتمعت فيها الدوافع الدينية والاقتصادية والسياسية في آنٍ واحد.

ثورة البشموريين، البشموريون، تاريخ الأقباط في مصر، المأمون العباسي، انتفاضات المصريين ضد العباسيين، التاريخ القبطي، دلتا النيل القديمة، ثورات مصر في العصور الوسطى، المقريزي، بطاركة الكنيسة القبطية، ثورات الفلاحين في مصر.

في هذا المقال، نعيد قراءة هذه الثورة المنسية بعيون التاريخ والعلم، ونكشف جذورها وأسبابها ونتائجها وتأثيرها على مسار العلاقة بين المصريين والسلطة العباسية.

أولًا: خلفية تاريخية – مصر تحت الحكم العباسي

بعد الفتح العربي لمصر عام 641م على يد عمرو بن العاص، خضعت البلاد لحكم الخلافة الراشدة، ثم الأموية، وأخيرًا الخلافة العباسية منذ عام 750م.
كانت مصر بالنسبة للعرب والإمبراطورية الإسلامية إقليمًا استراتيجيًا واقتصاديًا بالغ الأهمية، فهي سلة غذاء الدولة ومصدر ضرائب هائل.

إلا أن التحول من الحكم الأموي إلى العباسي لم يأتِ بتحسن للأوضاع، بل على العكس، زادت معاناة المصريين – وخاصة الأقباط – بسبب الضرائب الثقيلة والمعاملة القاسية.
فقد كان الأقباط (وهم الغالبية السكانية آنذاك) يُجبرون على دفع الجزية والخراج، كما فُرضت عليهم أعمال السخرة في مشاريع الري والزراعة.

ومع بداية القرن التاسع الميلادي، بدأت نار الغضب تشتعل في دلتا النيل، خصوصًا في المنطقة المعروفة بـ بشمور.

ثانيًا: أين تقع بشمور ومن هم البشموريون؟

تقع بشمور في شمال شرق دلتا النيل، قرب بحيرة البرلس الحالية، بين فرعي دمياط ورشيد. كانت منطقة مليئة بالمستنقعات والبحيرات، يصعب دخولها على الجيوش.
أما البشموريون فهم سكان هذه المنطقة، وغالبيتهم من الأقباط المصريين الذين عاشوا حياة شبه مستقلة بسبب الطبيعة الجغرافية الصعبة لموطنهم.

عمل البشموريون في صيد الأسماك، وصناعة الورق (البردي)، وتجارة الملح، وكانوا معروفين بعنادهم وصلابتهم في الدفاع عن أراضيهم.
لم يخضعوا بسهولة لأي سلطة خارجية، سواء كانت بيزنطية أو عربية، وكانوا يحتفظون بلغتهم القبطية وعاداتهم المصرية الأصيلة.

ثالثًا: الأسباب الحقيقية لثورة البشموريين

لم تكن الثورة البشمورية وليدة لحظة غضب عابرة، بل نتاج تراكم طويل من الظلم والاستغلال. ويمكن تلخيص أسبابها فيما يلي:

1. الضرائب الباهظة وسوء الإدارة

فرض الولاة العباسيون ضرائب قاسية على الفلاحين والأقباط، وصلت أحيانًا إلى حد مصادرة المحاصيل والأراضي. وكان العمال يُجبرون على خدمة السلطة دون أجر، مما أدى إلى مجاعات وفقر مدقع في بعض المناطق.

2. التمييز الديني والاجتماعي

على الرغم من أن الإسلام أقر لأهل الذمة بحماية مقابل الجزية، فإن التطبيق العملي كان قاسيًا في كثير من الأحيان. فالأقباط مُنعوا من تولي مناصب عامة، وتعرضت كنائسهم للتضييق، مما خلق شعورًا بالاضطهاد الديني.

3. العزلة الجغرافية والروح المستقلة

بسبب الطبيعة الوعرة لمنطقة بشمور، عاش أهلها في شبه استقلال عن سلطة الدولة. ومع تدهور الأوضاع، شعروا بأنهم قادرون على الدفاع عن أنفسهم ومقاومة أي جيش يدخل منطقتهم.

4. التحريض من بعض رجال الدين

يُذكر في المصادر القبطية أن بعض الأساقفة والكهنة دعموا الثورة، معتبرينها دفاعًا عن الإيمان والهوية القبطية ضد القهر.

رابعًا: الشرارة الأولى للثورة

اندلعت ثورة البشموريين الأولى في عهد الخليفة المأمون (813–833م)، تحديدًا في الفترة بين عامي 830 و832م.
بدأت الأحداث حين رفض البشموريون دفع الضرائب، وهاجموا مراكز الجباية، وقتلوا بعض عمال الولاة.
وسرعان ما توسعت الثورة، وامتدت شرارتها إلى مناطق أخرى من دلتا النيل، بل انضم إليها بعض الفلاحين المسلمين الساخطين على الضرائب أيضًا.
ثورة البشموريين، البشموريون، تاريخ الأقباط في مصر، المأمون العباسي، انتفاضات المصريين ضد العباسيين، التاريخ القبطي، دلتا النيل القديمة، ثورات مصر في العصور الوسطى، المقريزي، بطاركة الكنيسة القبطية، ثورات الفلاحين في مصر.
المأمون

واجه والي مصر آنذاك عبد الله بن طاهر صعوبة في السيطرة على الوضع، خاصة أن جيشه لم يكن معتادًا على القتال في بيئة المستنقعات والأنهار.
وبينما كانت الدولة العباسية تواجه اضطرابات في بغداد وخراسان، أصبحت ثورة البشموريين تهديدًا حقيقيًا لهيبة الخلافة.

خامسًا: المواجهة الكبرى بين المأمون والبشموريين

بعد فشل الولاة في إخماد الثورة، قرر الخليفة المأمون نفسه القدوم إلى مصر على رأس جيش ضخم في عام 832م.
كانت هذه سابقة نادرة أن يترك خليفة عباسي عاصمته ليقود حملة بنفسه ضد ثوار في أطراف الدولة.

محاولة التفاوض

بدأ المأمون بمحاولات سلمية، فأرسل وفودًا من رجال الدين المسلمين والأقباط لإقناع الثوار بالاستسلام.
ومن أبرز هؤلاء البابا يوساب الأول (بطريرك الإسكندرية)، الذي استدعاه المأمون من الإسكندرية وأرسله إلى بشمور.
لكن البشموريين رفضوا الاستسلام حتى للبطريرك، واتهموه بالتعاون مع السلطة، وقالوا له:

"أنت بعتنا للمأمون، كما باع يهوذا المسيح".

الحصار والمعارك

فشل التفاوض، فبدأ المأمون حملة عسكرية قاسية. استخدم السفن لعبور البحيرات، وأمر بحرق القرى وتجفيف المستنقعات لإجبار الثوار على القتال في أرض مكشوفة.
استمرت المعارك شهورًا طويلة، وأبدى البشموريون مقاومة بطولية. إلا أن الكفة مالت في النهاية لصالح الجيش العباسي المدجج بالسلاح والمنظم جيدًا.

سادسًا: سقوط بشمور ونهاية الثورة

بعد مقاومة بطولية، سقطت بشمور بيد قوات المأمون.

ويذكر المؤرخ المقريزي أن الخليفة أمر بقتل الرجال وسبي النساء والأطفال، وتدمير القرى بالكامل، حتى لا تقوم للثورة قائمة.
أُخذ آلاف الأسرى إلى بغداد وبلاد الشام، وتم توزيعهم كعبيد، في واحدة من أحلك اللحظات في تاريخ الأقباط.

تُشير بعض الروايات إلى أن المأمون ندم لاحقًا على القسوة التي عامل بها البشموريين، خاصة بعد نصيحة من بعض العلماء والفقهاء الذين اعتبروا ما حدث تجاوزًا لحدود الشريعة.

ثورة البشموريين، البشموريون، تاريخ الأقباط في مصر، المأمون العباسي، انتفاضات المصريين ضد العباسيين، التاريخ القبطي، دلتا النيل القديمة، ثورات مصر في العصور الوسطى، المقريزي، بطاركة الكنيسة القبطية، ثورات الفلاحين في مصر.

سابعًا: انعكاسات الثورة على التاريخ المصري

رغم فشلها عسكريًا، فإن ثورة البشموريين تركت آثارًا عميقة في الوعي المصري والقبطي، ويمكن تلخيص انعكاساتها فيما يلي:

1. نهاية الحكم الذاتي للأقباط

بعد الثورة، شدد العباسيون قبضتهم على الدلتا، وألغوا أي شكل من أشكال الإدارة المحلية للأقباط، مما أنهى استقلالهم النسبي الذي تمتعوا به منذ العصور البيزنطية.

2. تغير التركيبة السكانية

أدت عمليات التهجير والسبي إلى تقليص الوجود القبطي في شمال الدلتا، وانتشار الإسلام والعربية بشكل أسرع في هذه المناطق.

3. تراجع اللغة القبطية

مع القمع المتكرر، بدأ الأقباط يتخلون تدريجيًا عن لغتهم القبطية لصالح العربية، خاصة في المعاملات الرسمية، لتفادي الاضطهاد.

4. تأثير نفسي وديني عميق

تحولت الثورة إلى رمزٍ للصمود في الذاكرة القبطية، لكنها أيضًا رسخت شعورًا بالحذر من الصدام مع السلطة، وهو ما أثر على طبيعة العلاقة بين الكنيسة والدولة لعقود طويلة بعدها.

ثامنًا: مصادر الثورة في التاريخ

تعتمد معرفتنا بثورة البشموريين على مصادر قليلة ومتفرقة، أهمها:

  • المقريزي في كتابه المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار.

  • ساويرس بن المقفع في تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية.

  • بعض الوثائق القبطية والبيزنطية التي تحدثت عن الحدث من منظور ديني.

ورغم قلة التفاصيل، فإن الاتفاق بين هذه المصادر يؤكد أن الثورة كانت حدثًا حقيقيًا واسع النطاق، وليس مجرد تمرد محلي كما حاولت بعض الروايات اللاحقة التقليل من شأنها.

تاسعًا: قراءة تحليلية – هل كانت ثورة دينية أم اجتماعية؟

يختلف المؤرخون حول طبيعة ثورة البشموريين.
فالبعض يرى أنها ثورة دينية بالأساس، قامت دفاعًا عن العقيدة القبطية ضد الاضطهاد الإسلامي.
لكن آخرين – ومنهم مؤرخون مصريون معاصرون – يرونها ثورة اجتماعية ووطنية، قادها الفقراء والفلاحون ضد الضرائب والقهر، وليس بدافع ديني صرف.

والحقيقة أن الثورة كانت مزيجًا من الاثنين:

  • كان الدين عاملاً محفزًا للهوية والمقاومة.

  • وكانت الظروف الاقتصادية والسياسية هي الوقود الذي أشعل نار الغضب.

عاشرًا: البشموريون في الذاكرة المصرية

رغم مرور أكثر من ألف عام، لا تزال ثورة البشموريين رمزًا مهملًا في كتب التاريخ الرسمية.
لكن في الذاكرة القبطية، يُنظر إليها كـ آخر ثورة قبطية كبرى قبل اندماج الأقباط التام في النسيج المصري الإسلامي.

في بعض الأديرة والكنائس القديمة، توجد إشارات رمزية إلى شهداء بشمور. كما ألهمت الثورة بعض الكتاب المعاصرين، مثل الكاتب يوسف زيدان والروائي رفعت إسماعيل في مقالاته التاريخية، باعتبارها نموذجًا لصراع الهوية والعدالة.

ختامًا

تُعد ثورة البشموريين واحدة من أكثر الصفحات الدامية والملهمة في تاريخ مصر الوسيط.
كانت صرخة شعبٍ أراد أن يعيش بكرامة وعدل، في زمنٍ كانت فيه السياسة والدين يتداخلان بشكلٍ قاسٍ.
لم تنتصر الثورة عسكريًا، لكنها انتصرت رمزيًا في سجل التاريخ، لتبقى تذكارًا للأحرار الذين رفضوا الظلم حتى وإن كان مصيرهم الفناء.

ربما طواها النسيان في كتب السلطة، لكنها ما زالت حيّة في ضمير من يقرأ التاريخ بعين الإنصاف.
ففي كل مرة يثور فيها المظلوم على الطغيان، ينهض من رماد الزمان روح البشموريين ليقول:

"العدل لا يموت، حتى لو صلبوه على ضفاف النيل."

اقرأ أيضًا

 

الكلمات المفتاحية

ثورة البشموريين، البشموريون، تاريخ الأقباط في مصر، المأمون العباسي، انتفاضات المصريين ضد العباسيين، التاريخ القبطي، دلتا النيل القديمة، ثورات مصر في العصور الوسطى، المقريزي، بطاركة الكنيسة القبطية، ثورات الفلاحين في مصر.



تعليقات