تعرف كل شيئ عن "جائزة نوبل"

 من الديناميت إلى المجد: القصة الكاملة لجائزة نوبل ورحلة الإنسان نحو تكريم العقول الخالدة

تُعتبر جائزة نوبل قمة ما يمكن أن يبلغه الإنسان من تقدير في ميادين العلم والأدب والسلام. فهي ليست مجرد ميدالية ذهبية أو مبلغ مالي يمنح للفائزين، بل هي رمز للضمير الإنساني الذي يحتفي بالعقل والإبداع والبحث عن الحقيقة.
ومن المفارقات العجيبة أن الجائزة التي أصبحت اليوم مرادفًا للسلام والإنجاز، وُلدت من وصية رجل اخترع أحد أكثر أدوات الحرب دمارًا: الديناميت.
إنها حكاية الإنسان حين يواجه ذاته، ويُقرر أن يُحوّل خطأه إلى إرث خالد لخدمة البشرية.
جائزة نوبل، ألفريد نوبل، تاريخ جائزة نوبل، نوبل للسلام، نوبل للأدب، نوبل للفيزياء، الفائزون بجائزة نوبل، ماري كوري، نجيب محفوظ، منظمة نوبل، وصية نوبل، قصة ألفريد نوبل، جائزة نوبل في الطب، Nobel Prize history، Alfred Nobel biography

من هو ألفريد نوبل؟

وُلد ألفريد برنارد نوبل (Alfred Nobel) في مدينة ستوكهولم السويدية عام 1833، في عائلة متواضعة لكنها محبة للعلم والهندسة. كان والده إيمانويل نوبل مهندسًا ومخترعًا أيضًا، عمل في صناعة الألغام البحرية.
منذ صغره، أبدى ألفريد ولعًا شديدًا بالكيمياء والفيزياء واللغات، حتى أصبح يتقن خمس لغات وهو في سن مبكرة.

في منتصف القرن التاسع عشر، كانت المتفجرات أحد أعقد مجالات البحث العلمي، إذ كان العاملون في هذا المجال يدفعون حياتهم ثمنًا لأخطائهم. وهنا بدأ نوبل رحلته مع مادة النيتروغلسرين شديدة الانفجار، التي تسبب انفجارات مدمرة عند أقل خطأ.

وفي عام 1867، نجح في ابتكار صيغة آمنة نسبيًا لهذه المادة، عبر مزجها بمادة خاملة تدعى الديوماتوسيوس إيرث، ليخرج للعالم اختراعه الأشهر: الديناميت.

كان هدفه استخدامه في شق الجبال وبناء الأنفاق والمناجم، لكن العالم استخدمه أيضًا في صناعة الحروب والقتل الجماعي، وهو ما تسبب له لاحقًا بآلام نفسية عميقة، وبتأنيب ضمير ظل يطارده حتى وفاته.

لحظة التحول: "تاجر الموت" وصحوة الضمير

في عام 1888، تُوفي شقيقه "لودفيغ نوبل"، لكن الصحافة الفرنسية ظنّت أن ألفريد هو من مات، فكتبت نعيًا بعنوان:

"مات تاجر الموت الذي جنى ثروته من اختراع وسائل لقتل البشر بسرعة غير مسبوقة."

كانت هذه اللحظة صدمة كبرى لنوبل.

قرأ في حياته ما كُتب عن موته، ورأى نفسه كما يراه العالم: رمزًا للدمار لا للسلام. عندها قرر أن يغيّر إرثه تمامًا.
كتب وصيته في عام 1895، قبل وفاته بعام واحد، يوصي فيها بأن تُستخدم معظم ثروته لإنشاء جوائز سنوية تُمنح لمن "يقدم أعظم فائدة للبشرية".
وهكذا وُلدت فكرة جائزة نوبل، التي جعلت من الديناميت وسيلةً لتمجيد السلام والعقل بدل الحرب والموت.

وصية نوبل: الأساس الذي بُنيت عليه الجائزة

في وصيته الأصلية، حدد نوبل خمسة مجالات تُمنح فيها الجائزة:

  1. الفيزياء

  2. الكيمياء

  3. الطب أو الفسيولوجيا

  4. الأدب

  5. السلام

كما نص على أن يتم تمويل الجوائز من فوائد استثمار ثروته التي بلغت حينها حوالي 31 مليون كرونة سويدية (ما يعادل أكثر من 250 مليون دولار اليوم).

الغريب أن الوصية واجهت معارضة شديدة من عائلته والحكومة السويدية، إذ لم يتوقع أحد أن يهب نوبل معظم ثروته لأشخاص مجهولين لم يولد بعضهم بعد!
لكن في النهاية، وبعد سلسلة من الإجراءات القانونية الطويلة، تأسست مؤسسة نوبل رسميًا عام 1900 لإدارة الصندوق وتنظيم الجوائز.

أول جوائز نوبل (1901): بداية الإرث العالمي

في عام 1901، أُعلنت أول جوائز نوبل رسميًا.

وكانت المفاجأة أن الجائزة الأولى في السلام ذهبت إلى جان هنري دونان، مؤسس الصليب الأحمر، وفريدريك باسي، من دعاة السلام.
وهكذا أرسى نوبل عبر وصيته أول حجر في بناء عالمي يحتفي بالعطاء والضمير الإنساني.

التوسع وإضافة جائزة الاقتصاد

في عام 1968، وبعد أكثر من ستة عقود على وفاة نوبل، قرر البنك المركزي السويدي إنشاء جائزة جديدة في العلوم الاقتصادية تكريمًا لذكراه، تُمنح بنفس آلية الجوائز الأصلية.
ورغم أنها ليست منصوصًا عليها في وصيته، إلا أنها أصبحت تُعرف شعبيًا باسم جائزة نوبل في الاقتصاد.

من يمنح الجوائز؟

لكل مجال لجنة مختلفة مسؤولة عن اختيار الفائزين:

المجال

الجهة المانحة

الفيزياء والكيمياء

الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم

الطب

معهد كارولينسكا في ستوكهولم

الأدب

الأكاديمية السويدية

السلام

لجنة نوبل النرويجية في أوسلو

الاقتصاد

البنك المركزي السويدي والأكاديمية الملكية للعلوم


تُمنح الجوائز رسميًا كل عام في 10 ديسمبر، وهو يوم وفاة ألفريد نوبل، تخليدًا لذكراه.

الميدالية والمبلغ والجائزة

يحصل الفائز على:

  • ميدالية ذهبية منقوش عليها صورة ألفريد نوبل.

  • شهادة جائزة بخط يدوي فني.

  • مبلغ مالي يتغير سنويًا، بلغ حوالي 11 مليون كرونة سويدية (أكثر من مليون دولار) في السنوات الأخيرة.

إلا أن القيمة الرمزية للجائزة تبقى أهم بكثير من قيمتها المادية، فهي وسام إنساني خالد يُخلّد أثر الفائز في التاريخ.

أبرز الفائزين بجائزة نوبل عبر التاريخ

🔬 في الفيزياء:

  • ألبرت أينشتاين (1921) عن اكتشافه قانون التأثير الكهروضوئي.

  • ماري كوري (1903) أول امرأة تفوز بالجائزة، عن أبحاثها في الإشعاع.

  • بيتر هيغز (2013) مكتشف جسيم هيغز الذي غيّر فهمنا لبنية الكون.

جائزة نوبل، ألفريد نوبل، تاريخ جائزة نوبل، نوبل للسلام، نوبل للأدب، نوبل للفيزياء، الفائزون بجائزة نوبل، ماري كوري، نجيب محفوظ، منظمة نوبل، وصية نوبل، قصة ألفريد نوبل، جائزة نوبل في الطب، Nobel Prize history، Alfred Nobel biography
ماري كوري

💊 في الطب:

  • ألكسندر فليمنغ (1945) مكتشف البنسلين، الذي أنقذ ملايين الأرواح.

  • واتسون وكريك وفرانكلين (1953) عن اكتشاف بنية الحمض النووي DNA.

📖 في الأدب:

  • نجيب محفوظ (1988) أول عربي يفوز بالجائزة عن مجمل أعماله الروائية.

  • غابرييل غارسيا ماركيز (1982) رائد الواقعية السحرية.

  • توني موريسون (1993) عن إبداعها في تناول الهوية العرقية والحرية.

☮️ في السلام:

  • مارتن لوثر كينغ (1964) عن نضاله ضد العنصرية.

  • نيلسون مانديلا (1993) رمز المصالحة بعد الفصل العنصري.

  • المنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية (2013) عن جهودها لنزع السلاح.

لحظات الجدل والرفض في تاريخ الجائزة

جائزة نوبل ليست دائمًا محاطة بالإجماع. فقد شهدت على مر السنين لحظات من الجدل السياسي والأدبي والأخلاقي.

  • في عام 1958، فاز بوريس باسترناك بجائزة الأدب عن روايته دكتور زيفاغو، لكنه أُجبر من قبل السلطات السوفيتية على رفضها.

  • أما جان بول سارتر (1964)، فقد رفض الجائزة طوعًا، مؤكدًا أنه "لا يقبل أي تكريم رسمي".

  • في مجال السلام، وُجهت انتقادات لاختيار بعض الفائزين، مثل باراك أوباما (2009)، الذي نال الجائزة في بداية ولايته دون إنجازات سلام ملموسة بعد.

لكن رغم كل الجدل، تبقى نوبل أسمى اعتراف عالمي بقدرة الفكر الإنساني على التغيير.

جائزة نوبل والمرأة: كسر الحواجز

حتى منتصف القرن العشرين، كانت الجوائز تكاد تكون حكرًا على الرجال.

لكن مع مرور الوقت، أثبتت النساء حضورًا قويًا، أبرزهن:

  • ماري كوري: أول من فاز بجائزتين نوبل (في الفيزياء والكيمياء).

  • بيرتا فون سوتنر: أول امرأة تفوز بجائزة نوبل للسلام (1905).

  • ملالا يوسفزاي (2014): أصغر حاصلة على الجائزة عن دفاعها عن حق الفتيات في التعليم.

هذه الأسماء أكدت أن العبقرية لا تعرف جنسًا ولا حدودًا.

نوبل في العالم العربي

حتى اليوم، لم يحظَ العالم العربي إلا بعدد قليل من الفائزين، أبرزهم:

  • نجيب محفوظ (1988) – الأدب.

  • محمد البرادعي (2005) – السلام، عن دوره في الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

  • أنور السادات (1978) – السلام، بعد اتفاقية كامب ديفيد.

  • توكل كرمان (2011) – السلام، عن دورها في الدفاع عن حقوق المرأة في اليمن.

ورغم قلة العدد، إلا أن هذه الجوائز شكّلت مصدر فخر وإلهام للأجيال الجديدة في المنطقة.

أثر جائزة نوبل في الثقافة والعلوم والسياسة

تجاوز تأثير نوبل مجرد الجوائز، ليصبح ثقافة عالمية للاعتراف بالكفاءة الإنسانية.

فقد ساهمت الجائزة في:

  1. تشجيع البحث العلمي والابتكار.

  2. رفع مكانة الأدب واللغة كقوى للتغيير.

  3. تحفيز المجتمعات على تبني قيم السلام والتسامح.

  4. خلق رموز إنسانية تُلهم الأجيال القادمة.

في المقابل، يرى بعض النقاد أن الجائزة باتت أحيانًا أداة سياسية ناعمة، تُستخدم لتوجيه رسائل دولية، خصوصًا في مجال السلام. ومع ذلك، لا أحد ينكر أن الرمزية الإنسانية للجائزة تفوقت على كل الاعتبارات.

هل تحقق نوبل حلم مؤسسها؟

ربما لم يكن ألفريد نوبل يتخيل أن اسمه، الذي ارتبط يومًا بالديناميت، سيصبح لاحقًا مرادفًا للضمير العالمي.
لقد نجح في تحويل إحساسه بالذنب إلى عمل خالد.
واليوم، بعد أكثر من قرن على وفاته، ما زالت الجائزة تُذكّرنا بأن الإنسان قادر على تصحيح مسار التاريخ بالإبداع والمعرفة.

ختامًا

جائزة نوبل ليست مجرد احتفال سنوي بالفكر والعلم، بل هي رسالة متجددة تقول إن الإنسانية قادرة على تجاوز أخطائها.
من رحم الديناميت وُلدت فكرة السلام، ومن قلب الندم وُلدت إرادة التكريم.
إنها تذكرة بأن العقول العظيمة لا تُخلّد بما تملك، بل بما تترك من أثر في ضمير العالم.

"ربما لا أستطيع تغيير ما فعلته في الماضي، لكنني أستطيع أن أغيّر الطريقة التي سيتذكرني بها المستقبل."
— ألفريد نوبل

اقرأ أيضًا

كلمات مفتاحية

جائزة نوبل، ألفريد نوبل، تاريخ جائزة نوبل، نوبل للسلام، نوبل للأدب، نوبل للفيزياء، الفائزون بجائزة نوبل، ماري كوري، نجيب محفوظ، منظمة نوبل، وصية نوبل، قصة ألفريد نوبل، جائزة نوبل في الطب، Nobel Prize history، Alfred Nobel biography.









تعليقات