حين تنبت الحلول من الأرض: اليوم العالمي للبقول وقصة الغذاء الذي يطعم المستقبل (World Pulses Day)

 حين تنبت الحلول من الأرض: اليوم العالمي للبقول وقصة الغذاء الذي يطعم المستقبل

في العاشر من فبراير من كل عام، يحتفي العالم بـ اليوم العالمي للبقول، وهو يوم قد يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في جوهره رسالة عميقة تتجاوز الطعام إلى قضايا كبرى مثل الأمن الغذائي، الصحة العامة، الفقر، والتغير المناخي.
فالبقول ليست مجرد مكونات تقليدية في المطابخ الشعبية، بل هي محاصيل استراتيجية تلعب دورًا حاسمًا في بناء نظم غذائية عادلة ومستدامة.

اعتماد هذا اليوم العالمي يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الحلول الكبرى قد تبدأ من حبوب صغيرة، وأن مستقبل الغذاء لا يعتمد فقط على التكنولوجيا، بل على إعادة اكتشاف قيمة ما نزرعه ونأكله.

اليوم العالمي للبقول في 10 فبراير: أهميتها الغذائية والبيئية ودورها في الأمن الغذائي والتنمية المستدامة.

لماذا 10 فبراير؟ الخلفية الدولية لليوم العالمي للبقول

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 10 فبراير يومًا عالميًا للبقول، بعد النجاح الكبير الذي حققته السنة الدولية للبقول، والتي سلطت الضوء على الأهمية المتعددة لهذه المحاصيل.

اختيار هذا اليوم جاء بهدف:

  • زيادة الوعي بقيمة البقول الغذائية

  • إبراز دورها في تحقيق الأمن الغذائي

  • تشجيع الزراعة المستدامة

  • دعم صغار المزارعين

  • تعزيز النظم الغذائية الصحية والمتوازنة

ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا اليوم منصة عالمية لإعادة الاعتبار لمحاصيل طالما اعتُبرت "غذاء الفقراء"، بينما هي في الحقيقة غذاء المستقبل.

ما هي البقول؟ تعريف يتجاوز المطبخ

البقول هي بذور نباتات تنتمي إلى الفصيلة البقولية، وتُزرع أساسًا من أجل حبوبها الجافة. وتشمل أشهر أنواعها:

  • العدس

  • الفول

  • الحمص

  • الفاصولياء

  • البازلاء الجافة

  • اللوبيا

وتختلف البقول عن الخضروات الطازجة من حيث كونها تُحصد بعد نضجها الكامل وتجفيفها، ما يمنحها قيمة غذائية عالية وقدرة كبيرة على التخزين.

القيمة الغذائية للبقول: كنز صحي متكامل

تُعد البقول من أكثر الأغذية توازنًا من الناحية الغذائية، حيث تجمع بين:

1. البروتين النباتي

البقول مصدر غني بالبروتين، ما يجعلها بديلًا مهمًا للحوم، خاصة في:

  • الأنظمة الغذائية النباتية

  • المجتمعات منخفضة الدخل

  • المناطق التي تعاني من نقص البروتين الحيواني

2. الألياف الغذائية

تساعد الألياف على:

  • تحسين الهضم

  • تنظيم مستويات السكر في الدم

  • تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب

3. الفيتامينات والمعادن

تحتوي البقول على الحديد، الزنك، المغنيسيوم، وفيتامينات مجموعة B، وهي عناصر ضرورية لصحة الجسم.

4. قلة الدهون

البقول منخفضة الدهون وخالية تقريبًا من الدهون المشبعة، ما يجعلها خيارًا مثاليًا للوقاية من الأمراض المزمنة.

البقول والأمن الغذائي العالمي

يلعب اليوم العالمي للبقول دورًا محوريًا في تسليط الضوء على العلاقة الوثيقة بين هذه المحاصيل والأمن الغذائي، وذلك لعدة أسباب:

  • إنتاجها أقل تكلفة مقارنة بالمحاصيل الحيوانية

  • قابليتها للتخزين لفترات طويلة

  • سهولة نقلها

  • قدرتها على إطعام أعداد كبيرة من السكان

في عالم يواجه تحديات متزايدة مثل النمو السكاني، النزاعات، وتغير المناخ، تمثل البقول حلًا عمليًا ومستدامًا لتوفير غذاء كافٍ ومغذٍ.

البقول والزراعة المستدامة: شراكة مع الطبيعة

من أبرز الأسباب التي جعلت الأمم المتحدة تخصص يومًا عالميًا للبقول هو دورها البيئي الفريد.

1. تحسين خصوبة التربة

تتمتع النباتات البقولية بقدرة طبيعية على تثبيت النيتروجين في التربة، ما:

  • يقلل الحاجة إلى الأسمدة الكيميائية

  • يحسن جودة التربة

  • يدعم التنوع البيولوجي الزراعي

2. تقليل البصمة الكربونية

زراعة البقول تتطلب:

  • كميات أقل من المياه

  • طاقة أقل

  • موارد أقل

مقارنة بإنتاج اللحوم، ما يجعلها خيارًا صديقًا للبيئة في مواجهة التغير المناخي.

البقول والصحة العامة

تشجع المنظمات الصحية العالمية على زيادة استهلاك البقول لما لها من دور في:

  • الوقاية من أمراض القلب

  • تقليل خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني

  • دعم التحكم في الوزن

  • تعزيز صحة الجهاز الهضمي

ولهذا، يُنظر إلى البقول باعتبارها حجر أساس في الأنظمة الغذائية الصحية.

البقول في الثقافة الغذائية العالمية

رغم بساطتها، تحتل البقول مكانة مركزية في مطابخ العالم:

  • الفول والعدس في المطبخ العربي

  • الحمص في مطابخ الشرق الأوسط والبحر المتوسط

  • الفاصولياء في أمريكا اللاتينية

  • البازلاء في آسيا وأوروبا

هذا الحضور العالمي يؤكد أن البقول ليست طعامًا هامشيًا، بل عنصرًا ثقافيًا وإنسانيًا مشتركًا.

دعم صغار المزارعين وتمكين المجتمعات الريفية

يرتبط اليوم العالمي للبقول بشكل مباشر بقضايا:

إذ تعتمد ملايين الأسر الريفية على زراعة البقول كمصدر دخل أساسي، لما تتميز به من:

  • انخفاض تكاليف الإنتاج

  • مقاومة نسبية للجفاف

  • سهولة التسويق

دعم هذه الزراعة يعني دعم العدالة الاقتصادية والغذائية.

التحديات التي تواجه إنتاج البقول

رغم أهميتها، تواجه زراعة البقول عدة تحديات، منها:

  • ضعف الاستثمار الزراعي

  • تغير المناخ

  • تراجع التنوع الوراثي

  • انخفاض الوعي الاستهلاكي بقيمتها

ويأتي اليوم العالمي للبقول ليُعيد طرح هذه التحديات على أجندة السياسات الزراعية والغذائية.

اليوم العالمي للبقول: من التوعية إلى التغيير

لا يهدف هذا اليوم إلى الاحتفال الرمزي فقط، بل إلى:

  • تشجيع السياسات الداعمة للزراعة المستدامة

  • تعزيز البحث العلمي

  • إدماج البقول في البرامج الغذائية المدرسية

  • تغيير الأنماط الاستهلاكية غير الصحية

فزيادة استهلاك البقول ليست مجرد خيار غذائي، بل قرار أخلاقي وبيئي.

خاتمة

في العاشر من فبراير، يذكّرنا اليوم العالمي للبقول بأن الحلول الكبرى قد تكون متواضعة الشكل، لكنها عميقة الأثر.
ففي كل حبة عدس أو فول، تكمن قصة عن صحة أفضل، وبيئة أنظف، وعدالة غذائية أوسع.

البقول ليست طعام الأمس، بل غذاء اليوم، ورهان الغد.
وحين نعيد الاعتبار لها، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو مستقبل أكثر استدامة.

اقرأ أيضًا

في السادس من فبراير لا نصمت: اليوم الدولي لعدم التسامح مطلقًا مع تشويه الأعضاء التناسلية للإناث

حين يصبح الوعي علاجًا: اليوم العالمي للسرطان ومعركة الإنسان من أجل الحياة

حين تتنفس الأرض ماءً: اليوم العالمي للأراضي الرطبة وحكاية التوازن المنسي

فبراير… شهر القضايا الإنسانية الكبرى: كيف تحوّل أقصر شهور السنة إلى تقويم عالمي للضمير؟

فبراير (February): شهر العبور بين الزمن والأسطورة… حين يختبر التقويم هشاشته

يناير (January)… شهر البدايات الثقيلة: كيف صنع أول شهور العام التاريخ والرمز والقدر؟

نوفمبر: بين أوراق الخريف وأضواء النهائيات – ماهية الشهر الحادي عشر في الزمان والمكان


كلمات مفتاحية 

  • اليوم العالمي للبقول

  • البقول

  • 10 فبراير

  • الأمن الغذائي

  • التغذية الصحية

  • الزراعة المستدامة

  • البروتين النباتي

  • الغذاء المستدام



تعليقات