حين تكتب العقول مستقبلها: اليوم الدولي للمرأة والفتاة في ميدان العلوم (International Day of Women and Girls in Science)

 حين تكتب العقول مستقبلها: اليوم الدولي للمرأة والفتاة في ميدان العلوم

في الحادي عشر من فبراير من كل عام، يحتفي العالم بـ اليوم الدولي للمرأة والفتاة في ميدان العلوم، وهو يوم لا يهدف فقط إلى تسليط الضوء على إنجازات النساء في المجالات العلمية، بل إلى طرح سؤال جوهري: كيف يمكن للعالم أن يحقق تقدمًا حقيقيًا بينما يُقصي نصف طاقاته الفكرية عن ميادين الاكتشاف والابتكار؟

هذا اليوم يمثل اعترافًا عالميًا بأن تمكين النساء والفتيات في العلوم ليس قضية مساواة فحسب، بل شرط أساسي لتحقيق التنمية المستدامة، والعدالة الاجتماعية، والتقدم التكنولوجي. فالعلم لا يزدهر في بيئة الإقصاء، ولا يتطور حين تُحاصر العقول بالصور النمطية.

اليوم الدولي للمرأة والفتاة في ميدان العلوم في 11 فبراير: أهميته، التحديات، ودوره في تحقيق المساواة والابتكار.
بقلم/ د. أسامة رمزي - استشاري تنمية وتعليم

لماذا 11 فبراير؟ الخلفية الدولية لاعتماد اليوم

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 11 فبراير يومًا دوليًا للمرأة والفتاة في ميدان العلوم، في خطوة تهدف إلى تعزيز المشاركة الكاملة والمتساوية للنساء والفتيات في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM).

اختيار هذا اليوم جاء نتيجة إدراك متزايد بأن:

  • الفجوة بين الجنسين في العلوم ما زالت قائمة

  • التمييز يبدأ مبكرًا في التعليم

  • غياب النساء عن البحث العلمي يضعف جودة الابتكار

  • تمكين المرأة علميًا يعزز رفاه المجتمعات ككل

ومنذ إقراره، أصبح هذا اليوم منصة عالمية لتقييم التقدم، وكشف التحديات، وتجديد الالتزام بسد الفجوة الجندرية في المجالات العلمية.

المرأة والعلم: تاريخ من الإسهام والتجاهل

رغم الصورة النمطية السائدة، فإن النساء كنّ دائمًا جزءًا من مسيرة العلم، لكن مساهماتهن غالبًا ما تعرضت للتهميش أو النسيان.

من عالمات الفلك والكيمياء في الحضارات القديمة، إلى رائدات الفيزياء والطب في العصر الحديث، لعبت النساء أدوارًا محورية في تطوير المعرفة الإنسانية. إلا أن:

  • كثيرًا من أسمائهن غُيّبت

  • إنجازاتهن نُسبت لغيرهن

  • فرص التعليم والبحث كانت محدودة

اليوم الدولي للمرأة والفتاة في ميدان العلوم هو محاولة لإعادة كتابة هذه القصة، والاعتراف بأن العلم كان وسيظل أكثر ثراءً بتنوع العقول التي تساهم فيه.

الفجوة الجندرية في العلوم: أرقام ودلالات

رغم التقدم المحرز، لا تزال النساء ممثلات تمثيلًا ناقصًا في العديد من المجالات العلمية، خاصة في:

  • الهندسة

  • التكنولوجيا المتقدمة

  • البحث العلمي عالي المستوى

  • مراكز اتخاذ القرار العلمي

تظهر الفجوة بوضوح في:

  • نسب الالتحاق بالتخصصات العلمية

  • فرص التوظيف والترقية

  • الوصول إلى التمويل البحثي

  • التمثيل في الهيئات العلمية العليا

هذه الفجوة لا تعكس نقصًا في الكفاءة، بل نتيجة تراكمية لعوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية.

لماذا مشاركة المرأة في العلوم ضرورة وليست ترفًا؟

تمكين المرأة والفتاة في ميدان العلوم ليس مجرد مطلب حقوقي، بل ضرورة تنموية لأسباب عدة:

1. تحسين جودة البحث العلمي

تنوع الخلفيات والخبرات يؤدي إلى:

  • زوايا نظر مختلفة

  • حلول أكثر شمولًا

  • ابتكارات أكثر ارتباطًا بالواقع

2. تسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة

قضايا مثل:

تتطلب مشاركة النساء، خاصة وأنهن غالبًا الأكثر تأثرًا بهذه القضايا.

3. بناء اقتصادات قائمة على المعرفة

الاقتصاد الحديث يعتمد على الابتكار، وإقصاء النساء يعني خسارة نصف رأس المال البشري.

التحديات التي تواجه المرأة والفتاة في ميدان العلوم

رغم الاعتراف الدولي، لا تزال هناك عوائق حقيقية، منها:

أولًا: الصور النمطية

تبدأ منذ الطفولة، حين يُصوَّر العلم على أنه مجال "ذكوري"، ما يؤثر على خيارات الفتيات التعليمية.

ثانيًا: فجوة التعليم

في بعض المجتمعات، لا تحصل الفتيات على فرص متكافئة في التعليم العلمي، خاصة في المناطق الفقيرة أو الريفية.

ثالثًا: بيئة العمل

تواجه النساء في المؤسسات العلمية:

  • التمييز غير المعلن

  • ضعف التمثيل القيادي

  • صعوبة التوفيق بين العمل والأسرة

رابعًا: نقص القدوات

غياب النماذج النسائية الملهمة في المناهج والإعلام يضعف طموح الفتيات في دخول المجالات العلمية.

دور التعليم في تمكين الفتيات علميًا

يلعب التعليم دورًا حاسمًا في سد الفجوة الجندرية، من خلال:

  • تشجيع الفتيات على دراسة العلوم منذ الصغر

  • تحديث المناهج لتكون حساسة للنوع الاجتماعي

  • تدريب المعلمين على كسر الصور النمطية

  • توفير بيئات تعليمية آمنة وداعمة

الاستثمار في تعليم الفتيات علميًا هو استثمار طويل الأمد في مستقبل المجتمعات.

دور السياسات والمؤسسات

لا يكفي الاحتفاء الرمزي، بل يتطلب الأمر:

  • سياسات تعليمية شاملة

  • برامج دعم للباحثات

  • تشريعات تحارب التمييز

  • تمويل موجه للأبحاث النسائية

اليوم الدولي للمرأة والفتاة في ميدان العلوم يشجع الحكومات والمؤسسات على تحويل الالتزامات إلى إجراءات ملموسة.

الإعلام والقدوة: كسر الحلقة المغلقة

للإعلام دور محوري في:

  • إبراز إنجازات العالمات

  • تقديم نماذج نسائية ملهمة

  • تغيير الصورة النمطية عن العلماء

  • تشجيع الفتيات على الحلم العلمي

حين ترى الفتاة امرأة تشبهها في مختبر أو مرصد أو مركز أبحاث، يصبح الحلم ممكنًا.

المرأة والعلوم في العالم العربي

يواجه العالم العربي تحديات خاصة، مثل:

  • فجوات تعليمية

  • ضعف البحث العلمي

  • محدودية الفرص

لكن في المقابل، هناك:

  • عالمات بارزات

  • مبادرات تعليمية واعدة

  • جيل جديد من الفتيات الطموحات

تمكين المرأة العربية في العلوم ليس خيارًا، بل ضرورة لمستقبل المنطقة.

اليوم الدولي للمرأة والفتاة في ميدان العلوم: من الرمز إلى التغيير

يهدف هذا اليوم إلى:

  • إعادة صياغة السياسات

  • دعم المبادرات المحلية

  • تعزيز الشراكات الدولية

  • قياس التقدم المحرز

فالعلم لا يعرف جنسًا، لكن الفرص أحيانًا تفعل، وهنا يأتي دور هذا اليوم في تصحيح المسار.

خاتمة

في الحادي عشر من فبراير، لا نحتفل بالمرأة في العلوم فقط، بل نحتفل بالعلم حين يكون عادلًا، وبالمستقبل حين يُبنى على أساس المساواة.

تمكين المرأة والفتاة في ميدان العلوم هو تمكين للعقل الإنساني ذاته، واستثمار في حلول أكثر إنصافًا واستدامة.

وحين نفتح أبواب المختبرات للفتيات، فإننا نفتح أبواب الغد للبشرية جمعاء.

اقرأ أيضًا

حين تنبت الحلول من الأرض: اليوم العالمي للبقول وقصة الغذاء الذي يطعم المستقبل

في السادس من فبراير لا نصمت: اليوم الدولي لعدم التسامح مطلقًا مع تشويه الأعضاء التناسلية للإناث

حين يصبح الوعي علاجًا: اليوم العالمي للسرطان ومعركة الإنسان من أجل الحياة

حين تتنفس الأرض ماءً: اليوم العالمي للأراضي الرطبة وحكاية التوازن المنسي

فبراير… شهر القضايا الإنسانية الكبرى: كيف تحوّل أقصر شهور السنة إلى تقويم عالمي للضمير؟

فبراير (February): شهر العبور بين الزمن والأسطورة… حين يختبر التقويم هشاشته

يناير (January)… شهر البدايات الثقيلة: كيف صنع أول شهور العام التاريخ والرمز والقدر؟

نوفمبر: بين أوراق الخريف وأضواء النهائيات – ماهية الشهر الحادي عشر في الزمان والمكان


كلمات مفتاحية

  • اليوم الدولي للمرأة والفتاة في ميدان العلوم

  • 11 فبراير

  • المرأة في العلوم

  • الفجوة الجندرية

  • STEM

  • تمكين المرأة

  • التعليم العلمي

  • المساواة بين الجنسين



تعليقات