كريمة مختار: أمّ المصريين التي تحولت إلى ضمير إنساني في السينما والدراما
عندما يصبح الحنان مدرسة فنية
ليست كل النجوم تُقاس شهرتهم بعدد البطولات أو حجم الأضواء، فبعض الفنانين يصنعون مجدهم من منطقة أعمق وأكثر تأثيرًا: الوجدان. من هذا الموقع الإنساني الخاص جاءت كريمة مختار، الفنانة التي ارتبط اسمها في الذاكرة العربية بصورة الأم، ليس باعتبارها دورًا نمطيًا، بل كحالة فنية متكاملة جسّدت الحنان، والقوة الصامتة، والحكمة الشعبية، حتى أصبحت واحدة من أكثر الوجوه صدقًا وتأثيرًا في تاريخ الفن المصري.
النشأة والتكوين… الفن من بوابة الثقافة
وُلدت كريمة مختار في 16 يناير 1934 في القاهرة، ونشأت في بيئة مصرية تهتم بالعلم والثقافة. درست في المعهد العالي للفنون المسرحية، وهو ما منحها أساسًا أكاديميًا متينًا، جعلها ممثلة واعية بأدواتها، ومدركة لقيمة النص والشخصية.
لم يكن دخولها عالم الفن وليد الصدفة، بل نتاج شغف حقيقي بالمسرح والتمثيل، وهو ما انعكس لاحقًا على اختياراتها الدقيقة وأدائها المتزن.
البدايات الفنية… المسرح والإذاعة أولًا
بدأت كريمة مختار مسيرتها الفنية عبر:
-
المسرح
-
الإذاعة المصرية
وكانت الإذاعة تحديدًا مدرسة مهمة لصقل موهبتها، حيث تعلمت كيف تعبّر بالصوت فقط، وكيف تنقل الإحساس دون الاعتماد على الصورة. وقد أكسبها ذلك قدرة استثنائية على التحكم في نبرة الصوت والإيقاع الداخلي للأداء.
الانتقال إلى السينما… حضور هادئ يتصاعد
دخلت كريمة مختار السينما في أدوار صغيرة نسبيًا، لكنها سرعان ما لفتت الأنظار بأدائها الصادق والطبيعي. لم تعتمد على الجمال التقليدي أو الكاريزما الصاخبة، بل على:
-
التلقائية
-
القرب من الناس
-
الإحساس العميق
وكان هذا هو مفتاح تحولها لاحقًا إلى أيقونة أدوار الأم.
دور الأم… من النمط إلى الأسطورة
ارتبط اسم كريمة مختار بدور الأم، لكنها لم تقدمه أبدًا بشكل واحد. فقد جسدت:
-
الأم الحنونة
-
الأم القوية
-
الأم المقهورة
-
الأم الحكيمة
-
الأم الشعبية
وكانت تمنح كل شخصية تفاصيل مختلفة تجعلها حقيقية ومتفردة، وهو ما جعل الجمهور يرى فيها "أمه" أو "أم الجيران" أو "أم الحارة".
أهم أعمالها السينمائية… بصمة لا تُنسى
شاركت كريمة مختار في عدد كبير من الأفلام المهمة، ومن أبرزها:
-
الحفيد (أحد أهم أدوار الأم في تاريخ السينما) مع عبد المنعم مدبولي، محمود عبد العزيز، نور الشريف، وميرفت أمين
الليلة الموعودة مع أحمد زكي وفريد شوقي
في هذه الأعمال، لم تكن مجرد عنصر مكمل، بل ركيزة أساسية في البناء الدرامي.
كريمة مختار والتعاون مع كبار النجوم
عملت مع نخبة من أهم نجوم الفن، منهم:
-
عادل إمام
-
أحمد زكي
-
محمود عبد العزيز
-
نور الشريف
-
شادية
عبد المنعم مدبولي
ميرفت أمين
فريد شوقي
وكانت تتميز بقدرتها على خلق كيمياء إنسانية عالية مع جميع من يقفون أمامها، دون صراع على المساحة أو الأضواء.
الدراما التلفزيونية… التأثير الأوسع
في التلفزيون، وصلت كريمة مختار إلى شريحة جماهيرية أوسع، وقدّمت أدوارًا خالدة في مسلسلات اجتماعية عميقة، جسّدت فيها:
-
الأم الشعبية
-
الجدة
-
المرأة الصبورة
وكان حضورها في البيوت العربية جزءًا من الذاكرة اليومية للمشاهد.
ومن أشهر المسلسلات التي قدمتها كريمة مختار:
- البخيل وأنا
- أدهم وزينات والثلاث بنات
- العرضحالجي
- روبابيكيا
- مسيو رمضان مبروك أبو العلمين حمودة
- صابر يا عم صابر
- كيد الحموات
- دلع البنات
- حدث في الهرم
- المطعم تشي توتو
- يتربى في عزو مع يحيى الفخراني (شصية ماما نونا)
- زهرة وأزواجها الخمسة
الحياة الشخصية… الاستقرار والاختيار الواعي
تزوجت كريمة مختار من المخرج الكبير نور الدمرداش، وشكّلت معه ثنائيًا فنيًا وإنسانيًا متزنًا. حرصت على:
-
الفصل بين حياتها الخاصة والفن
-
الحفاظ على صورة محترمة
-
الابتعاد عن الصراعات الإعلامية
وكان لهذا الاستقرار أثر واضح في مسيرتها الطويلة.
الجوائز والتكريمات… اعتراف مستحق
حصلت كريمة مختار على العديد من الجوائز والتكريمات من مهرجانات محلية وعربية، تقديرًا لمسيرتها الطويلة وأدوارها المؤثرة، خاصة في تجسيد المرأة المصرية.
أسلوبها الفني… البساطة العميقة
يمكن تلخيص أسلوب كريمة مختار في:
-
الأداء الداخلي
-
الصدق العاطفي
-
استخدام الصمت كلغة
-
غياب الافتعال
وهو أسلوب جعلها قريبة من القلب، وبعيدة عن الزيف.
كريمة مختار في الوعي الجمعي
لم تكن كريمة مختار مجرد ممثلة، بل تحولت إلى:
-
رمز للأمومة
-
صوت للمرأة البسيطة
-
جزء من الذاكرة الثقافية المصرية
ورحيلها شكّل لحظة حزن جماعي، عكست مكانتها الحقيقية في قلوب الناس.
خاتمة: كريمة مختار… الفن حين يصبح إنسانًا
تجربة كريمة مختار، والتي رحلت عن عالمنا في 12 يناير 2017، تؤكد أن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى صخب، وأن الصدق هو أقوى أدوات الممثل. كانت أمًا على الشاشة، لكنها في الحقيقة كانت ضميرًا فنيًا، ورسالة إنسانية تقول إن البساطة قد تصنع أعظم الأثر.
اقرأ أيضًا
سناء يونس: الكوميديا الذكية التي اختارت العمق قبل الضحك
ماجدة الصباحي… امرأة سبقت زمنها وصنعت مجدها بوعي الفن والحرية
سناء جميل: عبقرية التمثيل التي حوّلت القسوة إلى فن خالد
صفية العمري… من عدسة الكاميرا إلى قمة الدراما العربية
وداد حمدي: الممثلة التي أضاءت الهامش وصنعت الخلود من الأدوار الصغيرة
ليلى طاهر: أناقة الأداء وهدوء النجومية في رحلة فنية صنعتها الموهبة والاختيار
آثار الحكيم: الوجه الذي عبّر عن جيل كامل بين هدوء الأداء وجرأة الاختيار
حسن فايق.. ضحكة مصر الهادئة التي صاغت الكوميديا من القلب إلى الشاشة
البداية: حين عرّت السينما المصرية وهم الحضارة وكشفت طبيعة الإنسان
ضمير الدراما المصرية: أسامة أنور عكاشة وسرد الحلم والواقع في وجدان العرب
ماري منيب: سيدة الكوميديا الصارمة… حين تحوّلت الأم المتسلطة إلى أيقونة للضحك المصري
«الست»: منى زكي حين تواجه الأسطورة… سينما تحاور الذاكرة وتعيد تعريف البطولة
سمية الألفي: من قلب الشرقية إلى قلوب الجماهير… رحلة فنية وإنسانية تتجاوز الشاشة
نجلاء فتحي… الوجه الذي كبر مع الزمن: سيرة فنية لنجمة صنعت جمالًا مختلفًا في السينما العربية
أسد على السجادة الحمراء: قراءة ناقدة في فيلم أسد لمحمد رمضان
من أفضل من قدم دور الأم المصرية سواء في السينما أو في الدراما
ردحذف