البداية: حين عرّت السينما المصرية وهم الحضارة وكشفت طبيعة الإنسان

 البداية: حين عرّت السينما المصرية وهم الحضارة وكشفت طبيعة الإنسان

فيلم سبق زمنه

يُعد فيلم «البداية» (1986) واحدًا من أكثر الأفلام المصرية جرأة وعمقًا على مستوى الفكرة والطرح الفلسفي والاجتماعي. لم يكن مجرد عمل سينمائي ترفيهي، بل تجربة فكرية متكاملة، استخدمت السينما كأداة لطرح سؤال جوهري: ماذا يحدث للإنسان عندما تُنتزع عنه كل مظاهر الحضارة؟
قدّم الفيلم رؤية نقدية شديدة الذكاء لطبيعة السلطة، والدين، والعلم، والمال، حين تتصارع داخل مجتمع صغير معزول، ليصبح العمل أشبه بـ«معمل إنساني» لاختبار السلوك البشري.
تحليل شامل لفيلم البداية 1986 ودلالاته الفلسفية وأداء أحمد زكي ورؤيته العميقة لطبيعة الإنسان والسلطة.

معلومات أساسية عن فيلم البداية

  • سنة الإنتاج: 1986

  • التصنيف: دراما – فلسفي – اجتماعي – رمزي

  • المخرج: صلاح أبو سيف

  • السيناريو والحوار: لينين الرملي

  • بطولة:

جاء الفيلم نتيجة تعاون استثنائي بين مخرج واقعي كبير مثل صلاح أبو سيف وكاتب يمتلك عقلًا ساخرًا وفلسفيًا مثل لينين الرملي، ما منح العمل توازنًا نادرًا بين العمق والمتعة.

قصة فيلم البداية – مجتمع يولد من العدم

تبدأ أحداث الفيلم بسقوط طائرة في منطقة صحراوية معزولة، ينجو منها عدد من الركاب المنتمين إلى خلفيات اجتماعية وفكرية مختلفة:

  • المثقف

  • رجل الأعمال

  • الفنان

  • الإنسان البسيط (فلاح/ بلطجي)

  • المرأة (عالمة، مثقفة، راقصة)

ومع انعدام وسائل الاتصال بالعالم الخارجي، يضطر الناجون إلى إعادة بناء مجتمع جديد من الصفر، فتبدأ التجربة الإنسانية في أقسى صورها:

من يقود؟
من يملك السلطة؟
ما المرجعية: العقل أم القوة أم المال أم الدين؟

يتحول المكان إلى نموذج مصغر للعالم، وتظهر سريعًا الصراعات، والتحالفات، والانقسامات الطبقية، في إعادة إنتاج شبه حرفية لما يحدث في المجتمعات الكبيرة، ولكن دون أقنعة.

تحليل شامل لفيلم البداية 1986 ودلالاته الفلسفية وأداء أحمد زكي ورؤيته العميقة لطبيعة الإنسان والسلطة.

البعد الرمزي والفلسفي للفيلم

فيلم البداية ليس عملًا واقعيًا تقليديًا، بل يعتمد بشكل أساسي على الرمز. كل شخصية تمثل فكرة أو مؤسسة:

  • جميل راتب (رجل الأعمال): يمثل الإنسان الطامح للسلطة، الذي يبدأ منطقيًا ثم ينزلق إلى الاستبداد والسيطرة بالحيلة، بالقوة، أو بالمؤامرة.

  • أحمد زكي: يرمز للمثقف الواعي والمتمرد والطامح للمدينة الفاضلة حين يواجه السلطة.

  • حمدي أحمد: يعكس البسطاء وكيف يمكن خداعهم والسيطرة عليهم بوعود زائفة تارة وباسم الدين تارة أخرى.

الفيلم يطرح تساؤلًا فلسفيًا خطيرًا:

هل الإنسان فاسد بطبعه أم تفسده السلطة؟

أحمد زكي في واحدة من أجرأ أدواره

قدّم أحمد زكي في «البداية» أداءً ئع، حيث جسّد المثقف والفنان في دفاعه عن الحق والعدل ضد طغيان السلطة التي يمثلها جميل راتب (رجل الأعمال). لم يعتمد على المبالغة، بل على التدرج النفسي من الإنصياع أحيانًا إلى التمرد حتى الوصول إلى الثورة على الطاغية المستبد وخلعه والتفاف الشعب (المجموعة) حوله.

هذا الدور يُعد من العلامات الفارقة في مسيرة أحمد زكي، لأنه:

  • كشف قدرته على تجسيد الشخصية الإيجابية والناقدة والتي لا تخشى الدخول في صراع من أجل العدل والحق.

  • أكد مكانته كممثل مشروع أسئلة لا نجم شباك فقط

إخراج صلاح أبو سيف – الواقعية في قلب الرمز

رغم الطابع الرمزي، حافظ صلاح أبو سيف على حسه الواقعي، فجاءت الشخصيات من لحم ودم، لا مجرد أفكار مجردة. 

حيث استخدم:

  • فضاءً صحراويًا مفتوحًا ليعكس الفراغ الحضاري

  • إيقاعًا متدرجًا يعكس تصاعد الصراع

  • كاميرا هادئة تراقب ولا تحاكم

نجح أبو سيف في تقديم فيلم فلسفي دون أن يفقده إنسانيته أو متعته البصرية.

تحليل شامل لفيلم البداية 1986 ودلالاته الفلسفية وأداء أحمد زكي ورؤيته العميقة لطبيعة الإنسان والسلطة.

السيناريو والحوار – بصمة لينين الرملي

تميّز سيناريو «البداية» بذكاء شديد، حيث جمع بين:

  • السخرية

  • الفلسفة

  • النقد السياسي والاجتماعي

الحوار جاء مكثفًا، يحمل أكثر من معنى، وقابلًا للتأويل، وهو ما جعل الفيلم صالحًا للمشاهدة في كل زمان. كثير من الجمل تحولت إلى أيقونات سينمائية بسبب عمقها وسخريتها السوداء.

المرأة في فيلم البداية

قدّم الفيلم صورة رمزية للمرأة، بوصفها:

  • عنصرًا كاشفًا للتناقضات الذكورية

  • ضحية للصراعات السلطوية

  • وأحيانًا أداة ضمن لعبة السلطة

أداء يسرا وصفية العمري جاء معبرًا عن موقع المرأة داخل مجتمع غير مستقر، حيث يتم توظيفها وفق ميزان القوة لا القيم.

استقبال الفيلم وتأثيره

عند عرضه، أثار فيلم «البداية» جدلًا واسعًا:

  • اعتبره البعض فيلمًا صادمًا

  • ورآه آخرون تحفة فكرية جريئة

ومع مرور الزمن، ازدادت قيمته، وأصبح يُصنّف ضمن أفضل الأفلام المصرية ذات الطابع الفلسفي، ويُدرّس في بعض المعاهد كنموذج للسينما الرمزية.

لماذا لا يزال فيلم البداية مهمًا حتى اليوم؟

تكمن أهمية الفيلم في أنه:

  • يناقش طبيعة السلطة بشكل دائم الصلاحية

  • يكشف هشاشة القيم عند أول اختبار

  • يربط بين الماضي والحاضر دون مباشرة

في زمن تتغير فيه الأنظمة والوجوه، تظل الأسئلة التي طرحها الفيلم قائمة، وهو ما يمنحه خلوده.

تقييم فني شامل

  • الفكرة: 10/10

  • التمثيل: 9.5/10

  • الإخراج: 9/10

  • السيناريو: 10/10

  • التأثير الثقافي: عابر للأجيال

خاتمة: البداية… فيلم عن النهاية

رغم اسمه، فإن فيلم «البداية» هو في جوهره فيلم عن نهاية الأوهام: وهم التحضر، وهم الأخلاق المطلقة، وهم الإنسان المثالي. إنه عمل سينمائي نادر، يضع المشاهد أمام مرآة قاسية، ويسأله:
لو كنت هناك… من ستكون؟

اقرأ أيضًا

ضمير الدراما المصرية: أسامة أنور عكاشة وسرد الحلم والواقع في وجدان العرب

ماري منيب: سيدة الكوميديا الصارمة… حين تحوّلت الأم المتسلطة إلى أيقونة للضحك المصري

«الست»: منى زكي حين تواجه الأسطورة… سينما تحاور الذاكرة وتعيد تعريف البطولة

سمية الألفي: من قلب الشرقية إلى قلوب الجماهير… رحلة فنية وإنسانية تتجاوز الشاشة

نجلاء فتحي… الوجه الذي كبر مع الزمن: سيرة فنية لنجمة صنعت جمالًا مختلفًا في السينما العربية

أسد على السجادة الحمراء: قراءة ناقدة في فيلم أسد لمحمد رمضان

كلمات مفتاحية

فيلم البداية، البداية 1986، أحمد زكي، لينين الرملي، صلاح أبو سيف، السينما الفلسفية، أفلام رمزية



تعليقات