التطوير المهني في العالم العربي: من أنشطة متفرقة إلى استراتيجية لبناء المستقبل
في عالم يتسم بسرعة
التغيير والتطور التكنولوجي المتلاحق، أصبح التطوير المهني أحد
أهم المفاتيح للحفاظ على تنافسية الأفراد والمؤسسات على حد سواء. لم يعد الأمر
مجرد تدريب عابر أو نشاط ثانوي يُضاف إلى السيرة الذاتية، بل تحول إلى مسار
استراتيجي يهدف إلى تعزيز مهارات الأفراد، تحسين أدائهم، وزيادة جاهزيتهم لمواكبة
متطلبات سوق العمل المتغيرة.
إعداد: د. أسامة رمزي
|
هذا المقال يستعرض مفهوم التطوير المهني من منظور شامل، ويناقش الأسئلة الجوهرية مثل: هل التطوير المهني مهنة مستقلة أم مجرد مجموعة أنشطة؟ ما هو الدور الذي تلعبه معلومات سوق العمل والمعلومات المهنية في دعم استراتيجيات التطوير؟ إلى أي مدى تدرك المجتمعات العربية أهمية هذا المجال؟ وما الذي تكشفه الأبحاث والدراسات الحديثة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟
أولًا: خدمات التطوير المهني – مهنة مستقلة أم مجرد أنشطة؟
التطوير المهني غالبًا ما
يُفهم على أنه مجموعة أنشطة مثل: التدريب، ورش العمل، الاستشارات المهنية، التوجيه
(Mentoring)، أو الإرشاد (Coaching). لكن عند التدقيق نجد أنه أكثر من مجرد أنشطة متفرقة؛ إنه مجال
مهني متكامل له نظرياته وممارسوه وأدواته العلمية.
1. كمهنة متخصصة:
o
يعتمد على كوادر مدربة تمتلك معرفة بعلم النفس المهني، تحليل المهارات، ومناهج التعليم للكبار.
o
له معايير مهنية دولية مثل المعايير التي
وضعتها الجمعية الأمريكية للإرشاد المهني أو الاتحاد
الدولي للكوتشنج.
o
يقدم خدمات استراتيجية للمؤسسات مثل إدارة
المواهب، خطط التعاقب الوظيفي، وبناء أنظمة التعلم مدى الحياة.
2. كنشاط تكميلي:
o
في بعض البيئات (خصوصًا في العالم العربي)، يُمارس
التطوير المهني كأنشطة قصيرة المدى أو دورات تدريبية غير مرتبطة بخطط مهنية واضحة.
o
هذا الفهم المحدود يقلل من أثر التطوير المهني
ويجعله أحيانًا مجرد وسيلة لتلبية متطلبات شكلية دون نتائج حقيقية.
إذن، يمكن القول إن
التطوير المهني هو مهنة بحد ذاتها عندما يُمارس بمنهجية واضحة،
ولكنه قد يظل مجرد أنشطة متفرقة إذا افتقد للتخطيط والتكامل.
ثانيًا: التطوير المهني ودور معلومات سوق العمل والمعلومات المهنية
لا يمكن الحديث عن تطوير
مهني فعال دون الإشارة إلى أهمية معلومات سوق العمل. فالفجوة بين
مخرجات التعليم واحتياجات السوق تظل واحدة من أكبر التحديات في المنطقة العربية.
1. معلومات سوق العمل:
o
توفر بيانات دقيقة حول الوظائف الأكثر طلبًا،
المهارات الناشئة، ومتوسطات الرواتب.
o
تساعد صناع السياسات على توجيه خطط التدريب
والتعليم.
o
تمكن الأفراد من اختيار مسارات مهنية واقعية قائمة
على الطلب الفعلي.
2. المعلومات المهنية:
o
تشمل الأدوات التي تدعم الأفراد في فهم اهتماماتهم
وقدراتهم (مثل اختبارات الميول المهنية).
o
تربط بين رغبات الفرد وفرص سوق العمل.
o
تُستخدم في الإرشاد المهني بالمدارس والجامعات،
وكذلك في إعادة تأهيل العاملين.
3. التكامل بين التطوير المهني ومعلومات السوق:
o
عندما تبنى برامج التطوير المهني على بيانات سوقية
محدثة، تكون أكثر فاعلية في سد فجوات المهارات.
o
على سبيل المثال: التركيز على المهارات الرقمية
والتحول الأخضر (Green Skills) بناءً على التوجهات
الاقتصادية الحالية.
ثالثًا: وعي المجتمعات العربية بأهمية التطوير المهني
رغم تزايد الاهتمام
بالتطوير المهني في السنوات الأخيرة، إلا أن مستوى الوعي في المجتمعات العربية ما
يزال متفاوتًا:
1. التعليم التقليدي يطغى على الفكر المهني:
o
معظم الأنظمة التعليمية العربية لا تدمج بشكل كافٍ
مفهوم "التطوير المهني" في المناهج.
o
التركيز غالبًا يكون على الشهادة الأكاديمية أكثر
من المهارات العملية.
2. تغير تدريجي في الوعي:
o
مع صعود البطالة بين الشباب وظهور الاقتصاد الرقمي، بدأت فئات واسعة تدرك أن الشهادة وحدها لا تكفي.
o
تزايد المبادرات الحكومية والخاصة مثل مراكز
الإرشاد المهني وبرامج ريادة الأعمال.
3. التحديات:
o
ضعف الثقافة المهنية لدى الأسر، حيث ينظر البعض
إلى التدريب المهني أو التطوير كخيار ثانوي.
o
نقص التمويل المخصص لخدمات التطوير المهني في
المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
4. الأمل في الجيل الجديد:
o
الشباب العربي الأكثر وعيًا اليوم بأهمية تطوير
الذات.
o
انتشار المنصات الرقمية العالمية مثل Coursera وLinkedIn Learning ساعد على تعزيز ثقافة
التعلم المستمر.
رابعًا: الأبحاث والدراسات حول التطوير المهني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
تشير العديد من الدراسات إلى أن المنطقة العربية تواجه تحديات وفرصًا في آن واحد فيما يتعلق بالتطوير المهني:
1. التحديات:
o
دراسة للبنك الدولي (2020) أشارت إلى أن 60% من
خريجي الجامعات في المنطقة يفتقرون إلى المهارات المطلوبة في سوق العمل.
o
تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) أكد أن الوظائف في المنطقة تتغير بسرعة، مما يستدعي إعادة تدريب
ملايين العمال بحلول 2030.
2. الفرص:
o
تقرير من مؤسسة صدى للاستشارات أوضح
أن برامج التطوير المهني قادرة على تقليص فجوة البطالة بنحو 20% إذا ما تم دمجها
مع سياسات سوق العمل.
o
الأبحاث حول التدريب الرقمي (E-Learning) في الشرق الأوسط تُظهر أن نسبة المشاركة تضاعفت ثلاث مرات بين
2019 و2023.
3. التجارب الناجحة:
o
الإمارات: دمجت التطوير المهني في رؤيتها 2031، مع
منصات وطنية للإرشاد المهني.
o
مصر: أطلقت وزارة القوى العاملة منصات لتوفير
معلومات سوق العمل وربطها ببرامج التدريب.
o
المغرب: استثمرت بشكل ملحوظ في التعليم المهني وربطه
بمتطلبات القطاعات الاقتصادية الناشئة مثل الطاقة المتجددة.
خامسًا: مستقبل التطوير المهني في المنطقة العربية
1. الرقمنة والتحول الرقمي:
مستقبل التطوير المهني سيكون
قائمًا بشكل متزايد على التعلم الإلكتروني، التدريب عبر الواقع الافتراضي،
والمنصات التفاعلية.
2. التخصصات الجديدة:
o
الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، الاقتصاد
الأخضر، وريادة الأعمال الرقمية ستكون محاور رئيسية.
3. دمج التطوير المهني في السياسات التعليمية:
على الحكومات دمج مسارات
التطوير المهني في المدارس والجامعات من المراحل المبكرة.
4. الشراكات بين القطاعين العام والخاص:
التعاون بين الجامعات،
الشركات، والحكومات سيلعب دورًا محوريًا في بناء منظومات تطوير مهني فعالة.
ختامًا
إن التطوير
المهني لم يعد خيارًا تكميليًا أو نشاطًا ثانويًا، بل أصبح ضرورة
استراتيجية للأفراد والمؤسسات والمجتمعات. نجاحه يعتمد على إدراك أنه مهنة
متكاملة وليست مجرد أنشطة، وعلى دمجه مع بيانات سوق العمل الدقيقة
والمعلومات المهنية الحديثة.
المجتمعات العربية ما
تزال في بداياتها فيما يتعلق بالوعي بهذا المجال، لكن هناك تقدم ملحوظ تدعمه
مبادرات حكومية وخاصة، إضافة إلى الاهتمام المتزايد من الشباب. الأبحاث والدراسات
توضح أن الاستثمار في التطوير المهني هو استثمار مباشر في خفض البطالة،
زيادة الإنتاجية، وتعزيز التنافسية العالمية للمنطقة.
اقرأ أيضًا
كلمات مفتاحية
التطوير المهني، سوق العمل العربي، المعلومات المهنية، التدريب المستمر، التنمية البشرية، التوظيف في الشرق الأوسط
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا