فن قيادة التعلّم: مهارات التيسير بين التدريب والتدريس

 فن قيادة التعلّم: مهارات التيسير بين التدريب والتدريس

من المعلّم إلى الميسّر – تحوّل جوهري في عالم التعلّم الحديث

في عالمٍ يتغيّر بسرعة غير مسبوقة، لم تعد المعرفة تُنقل في اتجاهٍ واحد من الخبير إلى المتعلّم.

لقد انتهى زمن "المعلّم الذي يعرف كل شيء"، وبدأ عصر الميسّر الذي يخلق بيئة تعلم تشاركية تُطلق طاقات المتعلّمين وتحوّلهم إلى شركاء في صنع المعرفة.

هنا تبرز مهارات التيسير (Facilitation Skills) كفنٍّ راقٍ يجمع بين القيادة المرنة، والذكاء الاجتماعي، وفهم ديناميكيات المجموعات.

لكن كيف تختلف مهارات التيسير عن مهارات التدريب (Training Skills) أو مهارات التدريس (Teaching Skills)؟

ولماذا أصبحت المنظمات الحديثة والمؤسسات التعليمية تعتبر التيسير جوهر التعلم الفعّال؟

هذا المقال يأخذك في رحلة تحليلية شاملة لتفكيك مفهوم التيسير، واكتشاف أهم مهاراته، ومقارنته بالتدريب والتدريس، مع تقديم رؤية تطبيقية للممارسين في التعليم والتطوير المؤسسي.

التيسير، مهارات التيسير، الفرق بين التيسير والتدريب، الفرق بين التيسير والتدريس، الميسّر المحترف، التدريب التشاركي، مهارات التواصل، إدارة الجلسات، التعلّم النشط، القيادة التشاركية

إعداد: د. أسامة رمزي

ماجستير تحليل السياسات العامة وتقييم المشروعات التنموية
استشاري تعليم وتنمية

ما هو التيسير؟

كلمة التيسير (Facilitation) مشتقة من اللاتينية facilis وتعني "يجعل الأمر سهلاً".

ومن هنا يمكن القول إن الميسّر هو من يجعل عملية التعلّم أو النقاش أو اتخاذ القرار أسهل وأكثر فاعلية.

التيسير ليس تدريسًا ولا تدريبًا بالمعنى التقليدي، بل هو عملية ديناميكية لتمكين مجموعة من الأفراد من العمل والتعلّم والتفاعل المشترك لتحقيق هدف محدد.

الميسّر لا "يعلّم" بل "يُهيّئ"، 

لا "يُلقي" بل "يُحفّز"، 

لا "يشرح" بل "يستفزّ التفكير".

يقول أحد خبراء التيسير العالميين:

"الميسّر الجيد لا يُسمع صوته كثيرًا، لكنه يُشعر الجميع بأن أصواتهم سُمعت."

خصائص الميسّر الناجح

الميسّر ليس مجرد متحدث لبق أو شخص ودود.

إنه قائد عملية تعلم غير سلطوي، يتعامل بذكاء مع الأفراد والمجموعات، ويتحكم في تدفق النقاش دون أن يفرض رأيه.

من أبرز خصائص الميسّر الفعّال:

1.       الحيادية والموضوعية

الميسّر لا يتحيّز لرأي أو اتجاه، بل يخلق مساحة آمنة للجميع للتعبير بحرية.

2.      الذكاء الاجتماعي والعاطفي

يدرك مشاعر الأفراد، ويتعامل مع التوترات أو الاختلافات بلباقة واحترافية.

3.      القدرة على الإصغاء النشط

الإصغاء لا يعني فقط السماع، بل فهم الرسائل الظاهرة والمخفية، وربطها بالسياق العام.

4.      إدارة الوقت والمراحل بمرونة

يعرف متى يتدخل ومتى ينسحب، ومتى يدفع المجموعة للأمام ومتى يمنحها مساحة تفكير.

5.      القدرة على طرح الأسئلة المحفّزة للتفكير

فبدلاً من أن يقدّم الإجابات، يطرح الأسئلة التي تُنتج إجابات من المشاركين أنفسهم.

6.      تصميم العملية التيسيرية

يخطط للجلسة بوعي، فيختار الأنشطة، والأسئلة، والتقسيمات، وأدوات المشاركة بما يخدم الهدف.

الفارق بين التيسير والتدريب والتدريس

رغم أن المفاهيم الثلاثة — التيسير، التدريب، التدريس — تتقاطع جميعها في هدف نقل المعرفة أو بناء القدرات، إلا أنها تختلف في المنهج، والدور، وديناميكية التفاعل.

الجدول التالي يوضح المقارنة بوضوح:

العنصر

التدريس  (Teaching)

التدريب  (Training)

التيسير  (Facilitation)

الهدف الأساسي

نقل المعرفة والمعلومات

بناء المهارات والتطبيق العملي

تمكين الأفراد من التفكير المشترك واتخاذ القرار أو بناء الفهم الجماعي

دور الممارس

المعلّم مصدر المعرفة

المدرب خبير يوجّه ويشرح

الميسّر قائد محايد يدير العملية التفاعلية

أسلوب التواصل

من الأعلى إلى الأسفل (Top-Down)

من المدرب إلى المتدرب مع بعض التفاعل

تفاعلي دائري (Circle   Model) يشترك فيه الجميع

تركيز الجلسة

على المحتوى والمناهج

على التطبيق والممارسة

على العملية والتفاعل الجماعي

البيئة التعليمية

صفية تقليدية

قاعة تدريب أو مختبر

مساحة تشاركية آمنة للحوار

التقييم

من خلال الامتحانات والاختبارات

من خلال الممارسة والأداء

من خلال الملاحظة والتغذية الراجعة الجماعية

الزمن

ثابت ومحدد وفق المنهج

مرن وفق الخطة التدريبية

مفتوح ومتغير حسب ديناميكية المجموعة

العلاقة بالمشاركين

المعلّم في موقع السلطة

المدرب في موقع الخبير

الميسّر في موقع المشارك

بعبارة أخرى:

·         المعلّم يركّز على ما يُقال

·         المدرّب يركّز على ما يُفعل

·         الميسّر يركّز على كيف نفكّر ونتعلّم معًا

مراحل عملية التيسير

عملية التيسير ليست ارتجالًا، بل تمرّ بعدة مراحل مدروسة:

1. التحضير (Preparation)

تشمل فهم أهداف الجلسة، وتحليل الجمهور (?Who’s in the room)، وتحديد الوقت والأدوات.

في هذه المرحلة يضع الميسّر خارطة التعلّم وليس “خطة التدريس”، أي أنه يخطط لتجربة وليس لمحاضرة.

2. الافتتاح وبناء الثقة (Opening & Building Rapport)

يبدأ الميسّر بخلق جو إيجابي عبر أنشطة كسر الجليد (Icebreakers) والتعارف، ويُوضّح قواعد الحوار ("كل صوت مهم"، "الاحترام المتبادل"، "عدم المقاطعة").

3. إدارة التفاعل والمحتوى (Facilitating the Process)

يستخدم الميسّر أدوات متنوعة مثل:

·         العصف الذهني

·         مجموعات العمل الصغيرة

·         خرائط التفكير

·         النقاشات الموجّهة

ويضمن أن يشارك الجميع دون هيمنة أو إقصاء.

4. تلخيص وتوليد المعرفة (Synthesis)

يقود الميسّر المجموعة نحو استخلاص الدروس والأفكار الرئيسية، مستخدمًا أسئلة مثل:

ما أهم ما خرجنا به؟،

كيف يمكن تطبيق ذلك في واقعنا؟

5. الإغلاق والتقييم (Closure)

يختم الجلسة بتغذية راجعة (Feedback) ويشجع المشاركين على التفكير الذاتي فيما تعلموه، مع وضع خطوات تالية للتطبيق العملي.

مهارات التيسير الجوهرية

للتيسير مجموعة من المهارات المتكاملة، يمكن تصنيفها إلى أربع فئات رئيسية:

1. مهارات التواصل (Communication Skills)

·         الإصغاء النشط

·         التلخيص وإعادة الصياغة

·         استخدام لغة الجسد الإيجابية

·         التحدث الواضح والموجز

2. مهارات إدارة المجموعات (Group Dynamics)

·         التعامل مع الشخصيات الصعبة (المهيمن – السلبي – المتردد)

·         إدارة الصراعات والنقاشات الساخنة

·         الحفاظ على مشاركة متوازنة

3. مهارات التفكير النقدي والإبداعي

·         طرح الأسئلة المفتوحة

·         تشجيع التحليل الجماعي

·         تحفيز الابتكار وحل المشكلات بطريقة جماعية

4. مهارات التخطيط وإدارة الوقت

·         توزيع الأنشطة على مراحل زمنية واضحة

·         ضبط الانحراف عن الأهداف دون قمع الحوار

·         استخدام أدوات مرئية (لوحات، بطاقات، تطبيقات رقمية) لدعم التركيز

أدوات وتقنيات الميسّرين

في التيسير، الأداة ليست هي الهدف، بل وسيلة لتفعيل التفاعل.

من أكثر الأدوات استخدامًا:

1.     العصف الذهني (Brainstorming)

لإنتاج أكبر عدد من الأفكار دون تقييم مسبق.

2.     العصف العاطفي (Emotional Storming)

لتفريغ المشاعر في بداية أو نهاية جلسة صعبة.

3.     خريطة العقل (Mind Mapping)

لتوضيح العلاقة بين الأفكار بصريًا.

4.     بطاقات الأسئلة (Question Cards)

لتوزيع الأدوار وتحفيز النقاش بطريقة متوازنة.

5.     تمارين التوافق الجماعي (Consensus Building)

للوصول إلى قرارات مشتركة أو تحديد أولويات.

6.     أنشطة المحاكاة والألعاب التعليمية (Simulations & Games)

لأنها تخلق خبرة واقعية تترسخ أكثر من الشرح النظري.

التيسير في البيئات المختلفة

1. في المؤسسات التعليمية

أصبح التيسير منهجًا حديثًا في التعلم النشط (Active Learning).

فالمعلم الميسّر يساعد الطلبة على اكتشاف المعرفة بأنفسهم، لا على تلقّيها جاهزة.

2. في بيئة التدريب المؤسسي

المدرب الميسّر يخلق بيئة تشاركية تحوّل القاعة التدريبية إلى مختبر تعلّم.

فهو لا يقدّم محتوى فحسب، بل يدير عملية تعلّم جماعية مبنية على الخبرة.

3. في إدارة الاجتماعات وورش العمل

الميسّر هنا يضمن أن يُسمع كل صوت، وأن تنتهي الجلسة بقرارات واقعية وتوافق جماعي.

4. في عمليات التخطيط الاستراتيجي والمناصرة

يُستخدم التيسير في تصميم الرؤى، وتحليل المشكلات، وصياغة الخطط بطريقة تشاركية.

فهو جوهر التمكين المؤسسي والمجتمعي.

أخطاء شائعة في التيسير

حتى الميسّرون المحترفون قد يقعون في أخطاء، منها:

·         التدخّل المفرط: مما يحوّل التيسير إلى تدريب تقليدي.

·         الحياد الزائد: بحيث يفقد الجلسة الاتجاه.

·         الافتقار إلى التخطيط: مما يجعل النقاشات عشوائية.

·         إهمال الفروق الثقافية: مما يخلق مقاومة أو سوء فهم.

·         تجاهل الزمن: وهو عدوّ كل جلسة تيسيرية ناجحة.

العلاقة التكاملية بين التيسير والتدريب والتدريس

ليس الهدف من المقارنة الفصل بين الأدوار، بل الدمج الذكي بينها.

فالمعلم في القرن الحادي والعشرين يحتاج أن يكون ميسّرًا أكثر من كونه ناقل معرفة.

والمدرّب المحترف عليه أن يمتلك مهارات التيسير كي يضمن مشاركة فاعلة.

أما الميسّر، فعليه أن يستلهم من المدرّب روح التنظيم، ومن المعلّم دقة المحتوى.

بمعنى آخر:

المعلم يزرع البذور، والمدرّب يسقيها، والميسّر يخلق التربة الصالحة للنمو.

كيف تطوّر مهاراتك كميسّر محترف؟

1.     التدرّب المستمر: شارك في ورش تيسير تفاعلية.

2.     التأمل الذاتي بعد كل جلسة: ما الذي سار جيدًا؟ ما الذي يمكن تحسينه؟

3.     احضر جلسات ميسّرين آخرين لتتعلم من أساليبهم.

4.     استخدم التكنولوجيا الذكية في التيسير الرقمي (مثل: Miro – Mentimeter – Jamboard).

5.     احترام تنوع المشاركين والتعامل مع الجميع كشركاء في التعلم.

خاتمة: التيسير... فن قيادة العقول لا السيطرة عليها

في النهاية، يمكن القول إن التيسير هو قلب التعلم الحديث، لأنه يضع المتعلم في المركز، ويحوّل عملية المعرفة إلى رحلة جماعية للتفكير والاكتشاف.

إنه ليس مجرد أسلوب في إدارة الجلسات، بل فلسفة قائمة على الإيمان بقدرة كل إنسان على الإسهام في بناء المعرفة.

الميسّر الناجح هو الذي يجعل الناس يشعرون أنهم صنعوا التعلّم بأنفسهم، وهو ما يعبّر عنه المثل الصيني القديم:

"قل لي وسوف أنسى، أرِني وقد أتذكّر، أشركني وسوف أفهم."

اقرأ أيضًا



كلمات مفتاحية

التيسير، مهارات التيسير، الفرق بين التيسير والتدريب، الفرق بين التيسير والتدريس، الميسّر المحترف، التدريب التشاركي، مهارات التواصل، إدارة الجلسات، التعلّم النشط، القيادة التشاركية.









تعليقات