سميرة موسى… عالمة الذرة التي أرادت أن تضيء العالم فاغتالها الظلام
بين الحلم والعلم... امرأة سبقت زمانها
في تاريخ مصر والعالم العربي، أسماء قليلة استطاعت أن تجمع بين العلم، الوطنية، والجرأة كما فعلت الدكتورة سميرة موسى، أول عالمة ذرة مصرية وعربية. كانت حلمًا يمشي على الأرض، ورسالة علمية وإنسانية حملتها في قلبها منذ طفولتها، لتصبح واحدة من أبرز رموز العلم في القرن العشرين، قبل أن تُغتال وهي في قمة مجدها العلمي في حادثٍ غامض لا يزال لغزًا حتى اليوم.
في هذا المقال، نستعرض سيرة سميرة موسى، منذ ولادتها في دلتا النيل وحتى رحيلها المأساوي في أمريكا، مرورًا بإنجازاتها العلمية الهائلة التي جعلت العالم كله يقف احترامًا أمام عبقريتها.
 |
| سميرة موسى |
النشأة والبدايات... جذور التحدي والذكاء المبكر
وُلدت سميرة موسى في 3 مارس عام 1917 بقرية سنبو الكبرى التابعة لمركز زفتى بمحافظة الغربية، في أسرة ريفية مثقفة. كان والدها الحاج موسى علي شخصية وطنية محبوبة، شارك في ثورة 1919 وامتلك مطبعة ساهمت في نشر الوعي الوطني بين المصريين. نشأت سميرة في بيئة تقدّر التعليم، وهو أمر غير مألوف في ذلك الوقت بالنسبة للفتيات، لكن والدها كان يرى في ابنته ذكاءً استثنائيًا، فشجعها على الدراسة بلا تردد.
أظهرت سميرة منذ طفولتها نبوغًا واضحًا؛ كانت تحفظ دروسها بسرعة، وتتفوق في الحساب والعلوم، وتهتم بالقراءة في مجالات غير مألوفة لطفلة في مثل سنها.
بعد انتقال الأسرة إلى القاهرة، التحقت بمدرسة قصر الشوق الابتدائية، ثم بمدرسة بنات الأشراف الثانوية، وهناك تأثرت بمعلمة الفيزياء التي أشعلت في داخلها شغفًا بالعلم والطبيعة والطاقة.
التفوق العلمي... بداية الطريق نحو الذرة
تفوقت سميرة في دراستها تفوقًا لافتًا، فحصلت على المركز الأول على القطر المصري في الثانوية العامة عام 1935. كان هذا التفوق كفيلًا بدخولها كلية مرموقة، فاختارت كلية العلوم بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا)، لتبدأ رحلتها في عالم الفيزياء.
هناك، التقت بالعالم المصري الكبير الدكتور علي مصطفى مشرفة، الذي كان عميد الكلية آنذاك، ورأى في سميرة مشروعًا علميًا استثنائيًا. تبناها علميًا، وقدّم لها الدعم والإشراف الكامل على أبحاثها، وفتح لها أبواب المختبرات في وقتٍ كانت فيه المرأة تُستبعد من العمل البحثي.
عملت سميرة بجهد مذهل، وشاركت في العديد من التجارب الفيزيائية التي تتعلق بـالإشعاع الذري.
نالت درجة البكالوريوس بامتياز، ثم عُيّنت معيدة بكلية العلوم في سابقة فريدة جعلت الصحف المصرية تحتفي بها كأول امرأة مصرية تتولى هذا المنصب في الجامعة.
مسيرة البحث العلمي... "الذرة من أجل السلام"
لم تكن سميرة موسى مجرد باحثة فيزيائية، بل كانت صاحبة فكر فلسفي وإنساني متكامل حول دور العلم في خدمة البشرية.
ركزت أبحاثها على تفكيك الذرة واستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، وليس في صناعة القنابل كما فعلت الدول الكبرى. كانت تؤمن بأن الطاقة الذرية يجب أن تكون وسيلة للشفاء، لا للدمار.
قدّمت رسالة الماجستير بعنوان "تأثير الأشعة السينية على المواد المختلفة"، ونالت إعجاب أساتذتها، فقررت استكمال دراستها للدكتوراه في إنجلترا.
هناك تابعت أبحاثها حول التحكم في انشطار الذرة بطريقة آمنة ومنخفضة التكلفة، وهو ما جعلها تحظى باهتمام علمي عالمي، خصوصًا أن فكرتها كانت تمثل خطوة نحو إتاحة الطاقة الذرية مجانًا للجميع، وهو أمر لم يكن مقبولًا لدى القوى الكبرى آنذاك.
العودة إلى مصر... العلم في خدمة الوطن
بعد حصولها على الدكتوراه، عادت سميرة إلى مصر لتسهم في تطوير البحث العلمي.
رفضت عروضًا مغرية بالبقاء في أوروبا، وقررت أن تعمل في المركز القومي للبحوث، وأن تنقل خبرتها إلى الجيل الجديد من الباحثين.
أسست مؤسسة لرعاية الأطفال المصابين بالسرطان، مستندة إلى دراساتها حول تأثير الإشعاع على الخلايا السرطانية، وكانت ترى أن "العلم لا قيمة له ما لم يُستخدم لراحة الإنسان".
كما ساهمت في تنظيم المؤتمر الذري الأول في القاهرة عام 1948، الذي شارك فيه نخبة من علماء العالم، ورفعت خلاله شعارها الشهير:
"نريد استخدام الذرة من أجل السلام، لا من أجل الحرب."
كانت تلك العبارة كافية لتضعها تحت المراقبة الدولية، خاصة من القوى التي رأت في مشروعها تهديدًا للمصالح النووية الغربية.
رحلتها إلى أمريكا... الضوء الذي سبق الانطفاء
في عام 1951، تلقت سميرة دعوة من الولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة في أبحاث نووية متقدمة بجامعة سانت لويس بولاية ميسوري، ضمن برنامج علمي لتبادل الخبرات. ورغم قلقها من النوايا السياسية وراء هذه الدعوة، قررت السفر بعد موافقة الحكومة المصرية، آملة في اكتساب خبرة جديدة تفيد وطنها.
في أمريكا، أُعجبت الأوساط العلمية بقدراتها الاستثنائية. زارت عددًا من المفاعلات النووية، وهو أمر لم يُسمح لأي باحث أجنبي بدخوله من قبل، مما أثار دهشة الصحف الأمريكية. لكنها لم تنبهر ببريق الغرب، بل كانت تكتب في رسائلها إلى مصر تقول:
"العلم هنا يُدار بعقل، لكن بلا قلب... أما في بلدي، فالعلم رغم صعوبته له روح وهدف."
النهاية المأساوية... اغتيال الحلم
في يوم 15 أغسطس عام 1952، كانت سميرة موسى في طريقها لزيارة أحد المفاعلات النووية في ولاية كاليفورنيا. استقلّت سيارة يقودها سائق أمريكي مجهول، لكن فجأة انحرفت السيارة عن الطريق وسقطت في وادٍ عميق.
قُتلت سميرة على الفور، بينما اختفى السائق، ولم يُعثر له على أي أثر بعد الحادث.
أُعلنت الوفاة رسميًا بأنها حادث سير عرضي، لكن المقربين منها، وعلى رأسهم الدكتور مشرفة، لم يقتنعوا بتلك الرواية.
تعددت النظريات حول مقتلها:
-
هناك من قال إن الموساد الإسرائيلي اغتالها بعد رفضها عرضًا بالعمل في إسرائيل.
-
وهناك من أشار إلى الـCIA الأمريكية التي خشيت من تسرب أبحاثها حول الاستخدام السلمي للطاقة النووية.
-
بينما يرى آخرون أن موتها كان رسالة تخويف لكل عالم عربي يحاول الاقتراب من سر الذرة.
مهما يكن، فإن موتها ظل أحد أكبر الألغاز العلمية والسياسية في القرن العشرين، يشبه تمامًا لغز وفاة أستاذها علي مصطفى مشرفة قبلها بعامين فقط.
الإرث العلمي والفكري لسميرة موسى
رغم رحيلها المبكر، تركت سميرة موسى إرثًا لا يُقدّر بثمن في مجالات العلم والفكر.
قدمت عشرات الأوراق البحثية حول الإشعاع النووي وتأثيره على الخلايا الحية، وأسهمت في تأسيس أول قاعدة علمية مصرية في الفيزياء النووية.
أما فكرتها حول “الطاقة الذرية من أجل السلام”، فقد أصبحت فيما بعد شعارًا تبنته الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
كما ألهمت أجيالًا من الباحثات العربيات. أصبحت رمزًا للمرأة العالمة التي كسرت الحواجز، وأثبتت أن العقل لا يعرف جنسًا أو حدودًا.
كرّمتها الدولة بعد وفاتها بإطلاق اسمها على مدرسة في مسقط رأسها، وعلى أحد شوارع القاهرة، كما منحتها وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1953 من الرئيس محمد نجيب.
سميرة موسى والهوية الوطنية
كانت سميرة نموذجًا للعالمة الوطنية التي ربطت بين العلم والانتماء.
رفضت أن تكون أداة في يد أي قوة أجنبية، وأصرّت على أن العلم لا يكتمل إلا إذا وُجّه لخدمة الإنسان.
كانت ترى أن المرأة المصرية قادرة على قيادة النهضة العلمية، وتقول دائمًا لطالباتها:
"العلم كالشمس... لا يحجبه غطاء الجهل ولا قيود التقاليد."
تلك الرسالة لا تزال حاضرة حتى اليوم، تلهم كل فتاة عربية تسعى إلى إثبات ذاتها في ميادين البحث والمعرفة.
ختامًا: سميرة موسى... زهرة مصر التي أنارت الطريق
رحلت سميرة موسى قبل أن تكمل عامها السادس والثلاثين، لكنها خلّدت اسمها في سجل العظماء.
كانت رسولًا للعلم والإنسانية، وآمنت أن الطاقة الذرية يمكن أن تكون طريقًا للسلام لا سلاحًا للدمار.
اغتيل الجسد، لكن الفكرة لم تمت؛ فكل مختبر علمي في مصر يحمل جزءًا من حلمها، وكل باحثة عربية تمسك بأنبوب اختبار أو معادلة نووية، تسير على خُطاها.
"سأجعل من الذرة دواءً لا دمارًا، ومن الطاقة نورًا لا نارًا."
هكذا كانت تقول، وهكذا خلدها التاريخ.
اقرأ أيضًا
كلمات مفتاحية
سميرة موسى، عالمة الذرة المصرية، أول عالمة نووية عربية، علي مصطفى مشرفة، الطاقة الذرية، استخدام الذرة للسلام، تاريخ العلماء المصريين، اغتيال سميرة موسى، المرأة في العلم، الفيزياء النووية في مصر.
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا