نجيب سرور: الشاعر الذي أشعل اللغة نارًا ضد القهر
في تاريخ الأدب العربي الحديث، يندر أن نجد شاعرًا جمع بين العبقرية والجنون، بين الثورة والجمال، بين اللعنة والنبوءة، مثل نجيب سرور. كان هذا الشاعر المصري المتمرّد بركانًا لغويًا وإنسانيًا لا يهدأ. خرج من رحم الريف المصري ليواجه العالم بالكلمة الصادقة، الصادمة، المتفجرة، التي لم تعرف المهادنة يومًا.
| نجيب سرور |
في هذا المقال، سنغوص في عالمه الحارق، لنكتشف كيف حوّل اللغة إلى سلاحٍ ضد القهر، وكيف كتب بجسده وروحه تراجيديا الإنسان العربي في القرن العشرين.
من قاع الريف إلى قمة الوعي
وُلد نجيب سرور عبد الرحمن محمد في 1 يونيو عام 1932 في قرية "إخطاب" التابعة لمركز أجا بمحافظة الدقهلية، في مصر الريفية التي كانت ترزح تحت وطأة الفقر والإقطاع. كان ابنًا لأسرة بسيطة، لكنه امتلك منذ طفولته حسًّا لغويًا متقدًا ووعيًا مبكرًا بالظلم الاجتماعي.
التحق بكلية الحقوق، لكنه لم يجد فيها ذاته، فانتقل إلى المعهد العالي للفنون المسرحية، حيث بدأت رحلته مع الفن والإبداع. سافر في بعثة دراسية إلى الاتحاد السوفييتي في الخمسينيات، وهناك اكتشف عالماً آخر من الحرية الفكرية، وتأثر بالأدب الروسي، وبخاصة ماياكوفسكي ودوستويفسكي وتولستوي، الذين شكلوا جزءًا من وجدانه الفني والسياسي.
عاد إلى مصر ليجد الواقع أكثر قسوة، وليبدأ مرحلة جديدة من التمرد والكتابة النارية.
نجيب سرور... الشاعر الذي لا يهادن
من أشهر دواوينه:
-
"التراجيديا الإنسانية"
-
"الطوفان الكبير"
كل ديوان منها يمثل مرحلة من تطوره الشعري والفكري، من الأمل الثوري إلى اليأس الوجودي، ومن الإيمان بالإنسان إلى الحنين إلى الجنون كملاذٍ أخير.
اللغة بين الثورة والمسرح
في قصيدته الشهيرة “الطوفان الكبير”، يكتب:
"أنا ما خلقتش عشان أعيش في زفةولا عشان أبيع كلمتين في الصحفأنا جاي أقول كلمة من الجوفكلمة تقطع زي السيف..."
المسرح عند نجيب سرور... السياسة في ثوب الفن
يُعتبر نجيب سرور من أبرز المجددين في المسرح المصري بعد توفيق الحكيم ويوسف إدريس. كتب عددًا من المسرحيات التي تمزج بين الرمزية والواقعية، وتتناول قضايا الحرية والعدالة والهوية، مثل:
-
"ياسين وبهية"
-
"آه يا ليل يا قمر"
-
"اللعبة"
لقد استطاع سرور أن يخلق مسرحًا شعبيًا ثوريًا، بعيدًا عن النخبوية، قريبًا من الشارع، وهو ما جعله يصطدم بالسلطات الثقافية والسياسية التي لم تحتمل صراحته.
بين السجن والجنون... المأساة الشخصية
لقد عاش نجيب سرور كمجنون حقيقي في زمن العقلاء المزيفين، ومات فقيرًا لكنه ترك وراءه كنزًا من الكلمات التي لا تموت.
النقد الفني والفكري لأدبه
من منظور نقدي، يتميز شعر نجيب سرور بعدة سمات أساسية:
-
الصدق الوجداني:
لم يكتب سرور كلمة واحدة دون أن يدفع ثمنها. كل قصيدة عنده تُكتَب بالدم، لا بالحبر. -
الواقعية الغاضبة:
تجاوز الواقعية التقليدية ليخلق “واقعية ثائرة”، تنقل الواقع لا كما هو، بل كما يجب أن يكون بعد التغيير. -
اللغة المزدوجة:
يمزج بين الفصحى والعامية، فيخلق موسيقى جديدة قريبة من الناس، لكنها تحتفظ بعمقها الفلسفي. -
النزعة الإنسانية العالمية:
رغم محليته، إلا أن نجيب سرور كتب عن الإنسان بمعناه الكوني، فكان شعره ضد الظلم في كل مكان. -
التأثر بالفكر الماركسي والوجودي:
يظهر في أعماله تأثر واضح بأفكار العدالة الاجتماعية، ونقد الاستغلال، والبحث عن معنى الوجود في عالم قاسٍ.
نجيب سرور في عيون النقاد والقراء
يقول الناقد غالي شكري عنه:
"نجيب سرور لم يكن شاعرًا فحسب، بل كان ثورة تمشي على قدمين."
بينما كتب صلاح عبد الصبور في إحدى مقالاته:
"نجيب سرور يملك ذلك الصدق الخام الذي يخيف السلطة ويحرج الشعراء."
في العقود الأخيرة، عاد شعره ليجد جمهورًا جديدًا من الشباب الذين وجدوا فيه مرآة لغضبهم واغترابهم، خصوصًا في زمن امتلأ بالتزييف الإعلامي والسياسي.
أثره في الثقافة المصرية والعربية
لقد فتح بابًا جديدًا للكتابة التي تدمج الشعر بالموقف، والفن بالثورة، والكلمة بالفعل.
بين اللعنة والخلود
اليوم، وبعد عقود من رحيله، يبدو أن التاريخ بدأ ينصفه. فكلما ازداد القهر، عاد صوته يعلو من جديد. وكلما ضاقت اللغة بالناس، عادوا إلى كلماته التي وسعت العالم ألمًا وأملًا.
إرثه الأدبي والإنساني
-
ياسين وبهية (مسرحية شعرية)
-
منين أجيب ناس
-
لزوم ما يلزم
-
الطوفان الكبير
-
فارس آخر الزمان
-
أحاديث في النقد الأدبي
كما تُرجمت بعض أعماله إلى لغات أجنبية، وبدأت مؤسسات ثقافية مصرية وعربية مؤخرًا إعادة نشرها وتحليلها من جديد، تقديرًا لقيمتها الفنية والتاريخية.
ختامًا
وربما تختصر عبارته الخالدة فلسفته كلها:
"أنا مش شاعر... أنا إنسان بيصرخ."
في النهاية، يبقى نجيب سرور ضميرًا شعريًا وإنسانيًا خالدًا، سيظل صوته يوقظ الوعي، ويدعو إلى الحرية، في كل زمنٍ يُستباح فيه الإنسان.
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا