توت عنخ آمون: اللغز الذهبي الذي لم يبح بكل أسراره بعد
من هو توت عنخ آمون؟
وُلِد توت عنخ آمون حوالي عام 1341 قبل الميلاد خلال فترة حكم الأسرة الثامنة عشرة، وهي واحدة من أزهى عصور مصر القديمة. كان ابن الملك أخناتون — الذي اشتهر بثورته الدينية ضد آمون وإعلانه عبادة الإله الواحد "آتون" — ومن المرجح أن تكون والدته إحدى زوجاته الثانويات، وليست الملكة نفرتيتي كما يعتقد البعض.
عاش توت عنخ آمون طفولة غير مستقرة سياسيًا ودينيًا، إذ نشأ في ظل الصراع بين عبادة "آتون" وعودة كهنة "آمون". وعندما تولّى الحكم في عمر لا يتجاوز التاسعة، كان مجرد طفل تحت وصاية مستشاريه الأقوياء: الوزير آي والقائد العسكري حورمحب.
إصلاحات الملك الشاب
بعد فترة قصيرة من حكمه، بدأ توت عنخ آمون بمساعدة مستشاريه في إعادة النظام الديني والسياسي إلى ما كان عليه قبل حكم والده.
-
أعاد عبادة الإله آمون إلى مكانتها القديمة في طيبة.
-
ألغى اسم آتون من النقوش الرسمية والمعابد.
-
أعاد العاصمة من أخيتاتون (تل العمارنة حاليًا) إلى طيبة.
-
كما غيّر اسمه من توت عنخ آتون إلى توت عنخ آمون، أي "الصورة الحية لآمون"، في إشارة رمزية إلى ولائه لآلهة مصر التقليدية.
كانت هذه الخطوات بمثابة إعلان نهاية الثورة الدينية لأخناتون، وعودة الاستقرار إلى الدولة المصرية بعد سنوات من الاضطراب.
حياة قصيرة ووفاة غامضة
على مدى عقود، طُرحت نظريات عديدة:
-
الاغتيال: بعض الدراسات القديمة زعمت وجود إصابة في الجمجمة تشير إلى ضربة مميتة.
-
حادث عربة: فحص المومياء بالأشعة المقطعية عام 2005 أظهر كسورًا في الساق اليسرى يُحتمل أنها ناتجة عن حادث عربة.
-
الملاريا وضعف المناعة: تحليل الحمض النووي (DNA) الذي أُجري عام 2010 أكد إصابته بالملاريا وعدة أمراض وراثية ناتجة عن زواج الأقارب، مما جعله هشّ البنية وضعيف المناعة.
وبذلك يُرجّح أن وفاة توت عنخ آمون كانت نتيجة مزيج من الأمراض والإصابات وليس جريمة قتل.
اكتشاف المقبرة التي غيّرت التاريخ
ما الذي جعل الاكتشاف استثنائيًا؟
-
المقبرة كانت شبه سليمة ولم تتعرض للنهب إلا جزئيًا.
-
احتوت على أكثر من 5000 قطعة أثرية من الذهب والعاج والعقيق والزجاج والعربات والأسلحة.
-
كان القناع الذهبي لتوت عنخ آمون من أجمل وأشهر القطع الأثرية في العالم.
-
وجود التابوتات الثلاثة داخل بعضها البعض، آخرها من الذهب الخالص يزن أكثر من 110 كيلوجرامات.
لم يكن حجم المقبرة ضخمًا مقارنة بمقابر ملوك آخرين، لكنها كانت الأكمل والأغنى من حيث المحتوى، مما أتاح للعالم نظرة نادرة على فخامة الحياة والموت الملكي في مصر القديمة.
لعنة الفراعنة... بين الأسطورة والحقيقة
بعد أشهر قليلة من اكتشاف المقبرة، توفي اللورد كارنافورن بسبب عدوى غريبة، مما أشعل خرافة "لعنة الفراعنة". وتوالت بعد ذلك وفيات غامضة لأشخاص شاركوا في الحفر أو زيارة المقبرة، فزاد الاعتقاد بأن أرواح الفراعنة تنتقم ممن يزعجهم.
كنوز المقبرة – معجزات الفن المصري القديم
لا يمكن الحديث عن توت عنخ آمون دون التوقف أمام كنوزه التي تُعد ذروة الإبداع في الفن المصري القديم. من أبرزها:
-
القناع الذهبي: مصنوع من الذهب واللازورد والزجاج الملون، يزن أكثر من 11 كجم، ويُعتبر أيقونة للجمال والكمال الملكي.
-
العرش الملكي: مزخرف بمشاهد تجمع الملك وزوجته "عنخ سن آمون" في مشهد رومانسي نادر.
-
العربة الذهبية: استخدمها في الطقوس وربما في المعارك أو الصيد.
-
الصناديق والأثاث الجنائزي: مزينة بمناظر من الحياة اليومية والطقوس الدينية.
-
الأوشابتي: تماثيل صغيرة وُضعت لخدمة الملك في العالم الآخر.
-
القلادات والجواهر: تتضمن رموزًا للخلود والقوة، مثل الجعران وأجنحة حورس.
هذه القطع تُعرض اليوم في المتحف المصري الكبير (GEM) الذي خُصص له جناح كامل يضم جميع مقتنياته البالغ عددها أكثر من 5000 قطعة.
أسرار جديدة من العلم الحديث
بفضل التكنولوجيا الحديثة، تمكّن العلماء من كشف تفاصيل جديدة عن مومياء توت عنخ آمون دون إتلافها:
-
فحص الحمض النووي (DNA): أكد أنه ابن أخناتون وحفيد أمنحتب الثالث.
-
الأشعة ثلاثية الأبعاد: أظهرت تشوهات في القدم اليسرى، ربما بسبب مرض وراثي يُعرف بـ"نخر العظام".
-
تحليل الأقمشة والزيوت: أثبت استخدام مواد تحنيط معقدة تحتوي على الراتنج والزيوت العطرية.
-
التحاليل البيئية: كشفت عن بقايا فطريات نادرة ربما ساهمت في تحلل بعض القطع العضوية.
هذه الدراسات لم تُجب عن كل الأسئلة، لكنها قرّبتنا أكثر من فهم حياة ووفاة هذا الملك الشاب.
إرث توت عنخ آمون في الثقافة العالمية
أصبح اسم توت عنخ آمون رمزًا عالميًا للحضارة المصرية.
-
تُقام له معارض متنقلة في عواصم العالم مثل باريس، لندن، ولوس أنجلوس.
-
استُخدم في الأفلام والروايات والألعاب الإلكترونية كرمز للغموض والخلود.
-
تُباع صوره وتماثيله في كل متاحف العالم تقريبًا.
-
في عام 2019، حقق معرض “توت عنخ آمون: كنوز الفرعون الذهبي” أكثر من 1.5 مليون زائر في باريس وحدها.
بهذا المعنى، تحوّل توت عنخ آمون من ملك مجهول إلى أشهر رمز أثري على وجه الأرض.
توت عنخ آمون في المتحف المصري الكبير
خاتمة
توت عنخ آمون سيبقى الفرعون الذي لا يموت — رمزًا خالدًا يُذكرنا بأن حضارة مصر القديمة لا تزال تنبض بالحياة، مهما مرّت عليها القرون.
اقرأ أيضًا
كلمات مفتاحية
توت عنخ آمون، الملك الذهبي، مقبرة توت عنخ آمون، اكتشاف وادي الملوك، هوارد كارتر، لعنة الفراعنة، قناع توت عنخ آمون الذهبي، كنوز الفراعنة، المتحف المصري الكبير، تاريخ الفراعنة، ملوك الأسرة الثامنة عشرة، آثار مصر القديمة، الحضارة المصرية، توت عنخ آمون المومياء، سر وفاة توت عنخ آمون، معارض توت عنخ آمون العالمية.
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا