قصر التاريخ والكنوز: استكشاف عمق متحف اللوفر في باريس، آثاره المصرية، وجريمة التاج المخزية

 قصر التاريخ والكنوز: استكشاف عمق متحف اللوفر Musée du Louvre في باريس، آثاره المصرية، وجريمة التاج المخزية

يُعدّ متحف المتحف اللوفر في باريس (Musée du Louvre) أحد أعمدة الحضارة العالمية، حيث يلتقي فيه الفنّ والآثار والتاريخ لتشكيل تجربة فريدة يتفاعل معها ملايين الزوّار سنويًا. لكن بجانب أشهر ما يعرضه اللوفر — مثل لوحة الموناليزا «‏Mona Lisa» — ثمة قسمٌ أقلّ شهرة لدى عامة الناس، أعظم في أهميته لمن يهوى التاريخ: قسم «الآثار المصرية».

متحف اللوفر، متحف اللوفر في باريس، سرقة متحف اللوفر، أحداث متحف اللوفر، الآثار المصرية في متحف اللوفر، الملكة أوجينيي، تاج الملكة أوجينيي، نابوليون

في هذا المقال سنصحبك -عزيزي القارئ- في جولة تاريخية ومعرفية شاملة، نستعرض فيها:

  • نبذة عن متحف اللوفر – نشأته وتطوّره.

  • محتويات المتحف، مع تركيز على الآثار المصرية وعلاقتها بمصر.

  • أبرز ما في القسم المصري (نماذج مختارة).

  • ارتباطه بالمملكة المصرية القديم، ومعاملاته مع مصر.

  • جريمة السرقة الكبيرة التي تعرّض لها المتحف مؤخرًا.

  • تأمّل في قيمة المتحف كحارس للتراث العالمي، والتحدّيات التي يواجهها.

1. نشأة متحف اللوفر وتطوره

يقع متحف Louvre في قلب باريس، في القصر الملكي السابق، وقد تحوّل مع القرن الثامن عشر إلى واحد من أكبر وأقدم المتاحف في العالم. تأسّس في 1793 بعد الثورة الفرنسية، ومنذ ذلك الحين بدأ يجمع أعمالاً فنيّة وآثاراً من مختلف الحضارات. 
الثروة الحقيقية للمتحف تكمن في تنوّع المجموعات: فنّ إغريقي، روماني، شرقي، مصري، إسلامي… وتضمّ قاعدة بيانات تضم أكثر من 500,000 عمل فني. 
ولقد ارتبط المتحف أيضاً بحركات استكشاف التنقيب الأوروبي والتمويل الملكي، وارتبط اسمه بسياسات متنوّعة في اكتساب الآثار وضمّها إلى مجموعاته.

2. محتويات المتحف: لمحة عامة

يُقسّم اللوفر إلى عدّة أقسام رئيسية، منها: اللوحات، الآثار الإسلامية، الآثار المصرية، الآثار الشرقية، والنحت الأوروبي… 
من بين هذه، يلف القسم المصري الأنظار بكونه يحمل آثاراً تمتدّ إلى نحو 5000 سنة، من عصور ما قبل الأسرات إلى العصر الروماني. 
يُعرض هناك تماثيل، سُرخُوفَاغات، تابوتًا، مومياءات، قطعاً يومية، أجزاء من مقابر، كلّها تحت سقف واحد، مما يسمح بقراءة شاملة لتطوّر الحضارة المصرية.
على سبيل المثال: تمثال الكاتب الجالس «‏Seated Scribe» معروف جدًا، ويُعدّ من أشهر القطع؛ كذلك تمثال تحتمس الثالث على شكل أبو الهول «‏Bronze Sphinx of Thutmose III» يرمز لقوّة فرعون مصر في 18 أسرة. 

3. القسم المصري في اللوفر وعلاقته بمصر

3.1 تأسيس القسم

أنشئ قسم الآثار المصرية في اللوفر رسمياً عام 1827، بتعيين العالم المصريولوجي الشهير Jean‑François Champollion، الذي فكّ رموزَ الهيروغليفية عام 1822. 
وقد جاء هذا التأسيس في سياق «مصرومانيا» أوروبية عقب حملة نابليون على مصر (1798-1801) ونشر «وصف مصر». 

3.2 محتوى وآثار مختارة

  • تمثال كبير «‏Great Sphinx of Tanis»، من مدينة تانيس المصرية، يعرض قوى الملك وأعدائه. 

  • البورس «‏Seated Scribe» من الأسرة الـ 4 أو 5، يُظهر كاتبًا جالسًا، يُعدّ معلمًا لجودة التمثيل الحُر. 

  • تمثال بوت البقرة/الإله أبـِس (Apis) وما يسنده من رموز دينية. 

  • معروضات يومية: قطع مجوهرات، أدوات مكتبية، تماثيل صغيرة، تُوضّح الحياة اليومية والمعتقدات في مصر القديمة. 

3.3 تبادل الآثار والعلاقات مع مصر

القسم المصري في اللوفر يمثّل صورة من العلاقات الفرنسية-المصرية؛ فقد نمت المجموعة عبر اتفاقات تقسيم آثار مشتركة، ومشتريات، وتنقيبات. 
لكن هذا الربط ليس مجرد عرض آثار في باريس؛ بل هو مدخل لنقاشات أوسع حول ملكية التراث، واسترداد الآثار، ودور المتاحف الدولية في عرض تراث الشعوب.

3.4 لماذا تهمّ مصر بهذا القسم؟

لأن مصر تُعدّ مهدّ حضارة لا تزال تُدرس وتُفهم، وعرض آثارها في اللوفر يجعلها في صدارة اهتمام الزوار من كلّ العالم. ويمنح مصر حضوراً ثقافياً عالمياً.
لكن أيضاً هناك جدل: كيف تُكتسب هذه الآثار؟ وهل تُعرض في بلد المنشأ؟ هذا ما يدفع إلى مناقشة الأمانة التراثية وحقوق السِّيادة الثقافية.

4. الأحداث الأخيرة: جريمة سرقة التاج والكنوز الملكية

في 19 أكتوبر 2025، تعرّض متحف اللوفر لجريمة سطو جريئة وسريعة على ما يبدو، استهدفت "جواهر التاج الفرنسي" المعروضة في "Gallery d’Apollon"؛ حيث استخدم اللصّوص رافعة، وأدوات قطع زجاج، ودخلوا عبر نافذة مطلة على نهر السين، ثم فرّوا على درّاجات نارية. 
المواد المسروقة تشمل قطع مجوهرات نابليونية ثمينة جدًا، منها تاج الإمبراطورة ‎‏Eugénie de Montijo (زوجة ناپوليون الثالث) الذي وُجد لاحقًا مكسورًا قرب المتحف. 
لقد استمرّ اللصوص نحو أربع إلى سبع دقائق فقط؛ وصفه وزير الداخلية الفرنسي بأنه «عملية محترفة» استخدمت أدوات وتقنيات متقدمة. 

4.1 الدلالات والتداعيات

  • الجريمة لا تشكّل مجرد سرقة مادية، بل «هجومًا على التراث» مقبول عالميًا، كما وصفها الرئيس الفرنسي. 

  • قضية الحفظ الأمني للمتحف، بعد أن أشارت تقارير إلى نقص الكوادر والاكتظاظ بالزائرين كمخاطر محتملة. 

  • إعادة النظر في سياسات حماية المتاحف والمواقع التراثية في عصر التهديدات الإجرامية المنظمة.

4.2 ماذا تعني لمصر والآثار؟

رغم أن القطع المستهدفة هي مجوهرات فرنسية، إلا أنّ الواقعة تذكّرنا بأنه حتى المتاحف العالمية الكبرى ليست محصّنة بالكامل من أخطار السرقة أو الاتجار بالتراث. وهو تذكير لأهمية حماية الآثار المصرية في مصر وخارجها، وإذكاء الوعي بأن الضياع التراثي ليس محصورًا بأماكن بعيدة.

متحف اللوفر، متحف اللوفر في باريس، سرقة متحف اللوفر، أحداث متحف اللوفر، الآثار المصرية في متحف اللوفر، الملكة أوجينيي، تاج الملكة أوجينيي، نابوليون

5. تحديات وأفاق حارس للتراث العالمي

5.1 التحديات

  • حفظ الآثار وانتقالها: كيف تحفظ قطعة عمرها آلاف السنين؟ وما المقايضة بين عرضها للزوار وحمايتها؟

  • الملكية الثقافية: جدل النقل/الاستعارة وإعادة التمركز؛ خصوصًا مع الدول الأصلية التي تطالب باستعادة بعض القطع.

  • الإمن والأمن السيبراني: كما رأينا في سرقة 2025، تهديدات المتاحف ليست فقط مادية بل تقنية ومنظّمة.

  • الاكتظاظ السياحي: الملايين من الزوار يومياً يفرضون ضغطاً على البنى التحتية والمعروضات.

5.2 الفرص

  • التثقيف العالمي: يوفّر اللوفر منصة كبرى لعرض حضارات مثل مصر أمام العالم بأسره، مما يعزز الوعي والترابط بين الشعوب.

  • البحث المعرفي: القسم المصري مثلاً جزء من بحث مستمر في علم المصريات، بفضل توقيته المبكر والشراكات الدولية. 

  • التكنولوجيا الرقمية: المشروع الرقمي للّورة يُتيح الدخول إلى قاعدة بيانات ضخمة، وتسخير الواقع المعزّز لإحياء المعروضات.

6. كيف تزور القسم المصري؟ ولماذا يستحق؟

عند زيارة اللوفر، يُنصح بتخصيص وقت مناسب لقسم الآثار المصرية – إذ يقع في جناح “Sully”، المستوى –1 إلى المستوى 1. 
ينطلق العرض من الحياة اليومية واللغة المصرية القديمة في المستويات الأولى، ثم يعرض تسلسلاً تاريخياً من ما قبل الدولة وصولاً إلى العصر البطلمى. 
السبب؟ لكي ترى كيف تطوّر الفن والدين والمجتمع في مصر عبر خمسة آلاف سنة، في مكان واحد. وهذا يُعدّ تجربة مُثرِية ليس للمتخصّصين فحسب، بل لأي زائر مهتم بتاريخ الإنسانية.

ختامًا

يُعدّ متحف اللوفر في باريس أكثر من مجرد مركز فني وسياحي؛ إنه مرآة تُعكس فيها حضارات الأرض، وفصول من تاريخ الإنسانية. وعندما يتضمّن هذا الحضور حضارة مصر، تصبح التجربة أكثر عمقًا وأبعد أثرًا.
لكن كأي حارس للتراث، يعاني اللوفر من المخاطر – سواء من الاكتظاظ أو الأمن أو أخطار السوق السوداء – كما بيّنت سرقة التاج الملكي في أكتوبر/2025. هذه الواقعة لم تهزّ فقط باريس، بل تهزّ الثقة في أن حتى أعظم المتاحف ليست بمنأى عن التهديدات.
من هنا، يصبح الوجود في كوبارته بين «التراث المعروض» و«التراث المهدد» أكثر قيمة؛ فزيارة اللوفر (وخاصة قسم آثار مصر) ليست مجرد رحلة سياحية، بل «اتصال بالعصور» و«تذكير بواجب الحفظ».

اقرأ أيضًا






تعليقات