رمسيس الثاني: فرعون المجد الأبدي وملك الملوك الذي لا يشيخ

رمسيس الثاني: فرعون المجد الأبدي وملك الملوك الذي لا يشيخ

في ذاكرة التاريخ الإنساني يقف رمسيس الثاني شامخًا كالتماثيل التي شيدها لنفسه، رمزًا لعظمة مصر القديمة ومثالًا للسلطة والدهاء العسكري والسياسي. لم يكن مجرد ملك عابر حكم مصر، بل أسطورة حقيقية نسجت حوله القصص والأساطير، وامتد تأثيره إلى الأديان والتاريخ والسينما والثقافة الحديثة. عُرف بلقب "رمسيس العظيم" واعتبره المصريون القدماء إلهًا حيًّا، فيما رآه المؤرخون أحد أعظم حكام الأرض القديمة.
في هذا المقال، نغوص في أعماق التاريخ لنكتشف حياة رمسيس الثاني، من نشأته وصعوده إلى العرش، مرورًا بحروبه وإنجازاته المعمارية، وحتى الجدل الذي يربطه بـ "فرعون موسى"، لنرسم صورة كاملة لملكٍ صنع لنفسه مجدًا لا يزول.
رمسيس الثاني، فرعون مصر العظيم، من هو رمسيس الثاني، معركة قادش، معابد أبو سمبل، فرعون موسى، مومياء رمسيس الثاني، تاريخ الفراعنة، الأسرة التاسعة عشرة، الملك رمسيس الثاني

النشأة والبدايات الملكية

وُلِد رمسيس الثاني حوالي عام 1303 قبل الميلاد، وهو ابن الملك سيتي الأول من الأسرة التاسعة عشرة، وأمه الملكة تويا. نشأ في قصر ملكي في مدينة قنطير في دلتا النيل، وتلقّى منذ صغره تدريبًا عسكريًا وإداريًا صارمًا، إذ كان مقدّرًا له أن يخلف والده في حكم واحدة من أعظم حضارات التاريخ.

كان والده سيتي الأول يرى فيه الحاكم المثالي، فجعله قائدًا للجيش وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، ليكتسب خبرة في القيادة والحروب. وقد أظهر رمسيس شجاعة نادرة في المعارك ضد الليبيين والحيثيين والنوبة، ما جعله محبوبًا من الجنود وموثوقًا من القادة.

بعد وفاة والده حوالي 1290 ق.م، تولى رمسيس الثاني الحكم في سن الخامسة والعشرين تقريبًا، ليبدأ عهدًا استثنائيًا دام أكثر من 67 عامًا — وهو من أطول عهود الملوك في التاريخ القديم.

مصر في عهد رمسيس الثاني – القوة والسيادة

عندما تولى رمسيس الثاني الحكم، كانت مصر في أوج قوتها العسكرية والسياسية بعد أن طرد أحمس الأول الهكسوس وأعاد تحصين الحدود. إلا أن القوى المجاورة، خاصة الإمبراطورية الحيثية في الأناضول (تركيا حاليًا)، كانت تسعى لتوسيع نفوذها.
أدرك رمسيس أن الحفاظ على الإمبراطورية المصرية يتطلب القوة في السلاح، والمهارة في السياسة، والعظمة في الصورة العامة للملك. فبدأ بتقوية الجيش، وأعاد تنظيم نظام الحكم المركزي، وأطلق مشاريع معمارية هائلة تهدف إلى تمجيد اسمه وربط صورته بالآلهة.

رمسيس الثاني، فرعون مصر العظيم، من هو رمسيس الثاني، معركة قادش، معابد أبو سمبل، فرعون موسى، مومياء رمسيس الثاني، تاريخ الفراعنة، الأسرة التاسعة عشرة، الملك رمسيس الثاني

معركة قادش – أسطورة الحرب والدبلوماسية

تُعد معركة قادش التي دارت حوالي عام 1274 ق.م من أشهر المعارك في التاريخ القديم، بل تُعد أول معركة موثقة تفصيليًا في التاريخ البشري.
دارت المعركة بين الجيش المصري بقيادة رمسيس الثاني، وجيش الحيثيين بقيادة الملك مواتالي الثاني، قرب نهر العاصي في سوريا الحالية.

مجريات المعركة:

قاد رمسيس أربعة فرق عسكرية ضخمة سُمّيت بأسماء الآلهة المصرية الكبرى (آمون، رع، بتاح، ست)، لكنه وقع في كمين بسبب تضليل استخباراتي من الحيثيين.
ورغم المفاجأة، أظهر شجاعة فائقة، وقاد هجومًا مضادًا بنفسه وهو على عربته الذهبية، فأنقذ جيشه من الإبادة. وانتهت المعركة بتعادل نسبي دون نصر حاسم لأي طرف.

نتائجها:

بعد سنوات من المناوشات، أبرم رمسيس الثاني مع الملك الحيثي حاتوسيل الثالث أول معاهدة سلام موثقة في التاريخ، مكتوبة على ألواح فضية. وقد عُثر على نصوصها في معبد الكرنك وفي العاصمة الحيثية “حاتوسا”.
كان هذا السلام خطوة عبقرية؛ إذ تزوج رمسيس من ابنة الملك الحيثي “ماعت حور نفرو رع”، لتوطيد التحالف بين القوتين.

الإنجازات المعمارية – حين تتكلم الحجارة

لا يمكن الحديث عن رمسيس الثاني دون الإشارة إلى إرثه المعماري الخالد. فقد شيد عشرات المعابد والمسلات والتماثيل الضخمة في أنحاء مصر والنوبة.

1. معبد أبو سمبل

أعظم إنجازاته المعمارية هو معبد أبو سمبل في أقصى جنوب مصر، المنحوت في الصخر، والذي تزين واجهته أربعة تماثيل عملاقة لرمسيس نفسه بارتفاع أكثر من 20 مترًا.
صُمم المعبد بحيث تتعامد أشعة الشمس مرتين في السنة على وجه التمثال داخل قدس الأقداس (في يومي 22 فبراير و22 أكتوبر)، وهو إنجاز هندسي مذهل لا يزال يبهر العلماء حتى اليوم.

2. معبد الرمسيوم

شيد رمسيس معبدًا جنائزيًا ضخمًا في طيبة (الأقصر حاليًا)، يُعرف بـ الرمسيوم، وامتلأ جدرانه بنقوش تمجد انتصاراته في معركة قادش وتصور حياته الإلهية.
كان المعبد بمثابة مركز ديني ودعائي يعزز مكانة الملك كإله حي وابن للإله آمون.

3. معابد ومشروعات أخرى

شيد أيضًا معابد في الأقصر، الكرنك، الدلتا، والنوبة، ومسلات عديدة نقلت لاحقًا إلى روما وباريس. بل إن التمثال الضخم الذي كان يُعرف بـ "تمثال رمسيس" في ميدان رمسيس بالقاهرة هو شاهد على هيبته التي لا تموت.

رمسيس الثاني كقائد وسياسي

لم يكن رمسيس مجرد محارب، بل كان سياسيًا بارعًا يجيد الموازنة بين القوة والدبلوماسية.
فبعد عقد السلام مع الحيثيين، ركز على الاستقرار الداخلي والتنمية الاقتصادية. نظم الري والزراعة، وأعاد فتح طرق التجارة مع النوبة وبلاد الشام، وازدهرت مصر اقتصاديًا في عهده.
كما رسّخ فكرة الملكية الإلهية، فكان يُصوّر نفسه كإله الشمس رع، أو كالإله آمون، ما جعله يتمتع بمهابة غير مسبوقة بين الشعب والكهنة.
رمسيس الثاني، فرعون مصر العظيم، من هو رمسيس الثاني، معركة قادش، معابد أبو سمبل، فرعون موسى، مومياء رمسيس الثاني، تاريخ الفراعنة، الأسرة التاسعة عشرة، الملك رمسيس الثاني
نفرتاري

الأسرة والحياة الشخصية

تزوج رمسيس العديد من الزوجات الملكيات، من أشهرهن:

  • نفرتاري، زوجته المفضلة ورفيقة دربه، التي خلدها في معبد خاص في أبو سمبل.

  • إست نفرت، زوجته الثانية.

  • ماعت حور نفرو رع، الأميرة الحيثية التي تزوجها بعد معاهدة السلام.

أنجب أكثر من 100 طفل بين أبناء وبنات، وبرز من أبنائه مرنبتاح الذي تولى الحكم بعد وفاته.

رمسيس الثاني وفرعون موسى – بين التاريخ والعقيدة

من أكثر الجدل إثارة حول رمسيس الثاني هو فرضية أنه فرعون موسى المذكور في التوراة والقرآن.

ويرجع هذا الربط إلى عدة أسباب:

  1. ذكر التوراة أن بني إسرائيل بنوا مدينتي رعمسيس وبيثوم (Raamses & Pithom)، وهما مدينتان بناهما رمسيس الثاني في الدلتا.

  2. طول فترة حكمه، مما يتناسب مع قصة موسى الطويلة في بلاط الفرعون.

  3. اكتشاف مومياؤه عام 1881 في الدير البحري، وقد وُجدت محفوظة بشكل مدهش، مما فسّره البعض بارتباطها بالآية القرآنية:

    "فاليوم ننجّيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية" (يونس: 92).

ومع ذلك، لم يُثبت علميًا أو أثريًا أن رمسيس الثاني هو بالضرورة فرعون موسى. فبعض الباحثين يرون أن فرعون الخروج قد يكون مرنبتاح ابنه، أو ملكًا آخر من الأسرة الثامنة عشرة. يظل هذا الملف مفتوحًا بين التاريخ والعقيدة، بين النص المقدس والتفسير العلمي.

وفاة رمسيس الثاني ومومياؤه

توفي رمسيس الثاني عن عمر ناهز التسعين عامًا — عمر طويل للغاية بمعايير زمانه — في حوالي 1213 قبل الميلاد، بعد حكمٍ استمر سبعة وستين عامًا.
دُفن في وادي الملوك بالأقصر في المقبرة رقم KV7، ثم نُقلت مومياؤه لحمايتها من اللصوص إلى خبيئة الدير البحري.

عام 1881، اكتُشفت المومياء على يد المصري أحمد عبد الرسول، وأُرسلت إلى المتحف المصري بالقاهرة.
وفي عام 1976، نُقلت المومياء إلى فرنسا لترميمها، وأُقيمت لها مراسم استقبال رسمية كـ “ملك حي”، في حدثٍ تاريخي يبرز مكانته في الوعي الإنساني حتى اليوم.

رمسيس الثاني في الثقافة الحديثة

ما زال رمسيس الثاني رمزًا خالدًا في الأدب والسينما والفن.

  • ألهم الشاعر الإنجليزي شيلي قصيدته الشهيرة Ozymandias التي تصوّر سقوط الملوك أمام الزمن.

  • ظهر في أفلام عالمية مثل The Ten Commandments وExodus: Gods and Kings، حيث يُجسَّد كرمز للجبروت.

  • في مصر، أصبح اسمه عنوانًا للمجد، تُسمى به الشوارع والمكتبات والميادين الكبرى.

حتى اليوم، تُعرض مومياؤه في المتحف القومي للحضارة المصرية، ويتوافد الزوار من كل أنحاء العالم لرؤية هذا الملك الذي خلد اسمه في التاريخ.

رمسيس الثاني، فرعون مصر العظيم، من هو رمسيس الثاني، معركة قادش، معابد أبو سمبل، فرعون موسى، مومياء رمسيس الثاني، تاريخ الفراعنة، الأسرة التاسعة عشرة، الملك رمسيس الثاني

إرث رمسيس الثاني الخالد

رمسيس الثاني لم يكن ملكًا فحسب، بل مشروعًا حضاريًا متكاملًا:

  • في السياسة: أرسى أول معاهدة سلام في التاريخ.

  • في الدين: جسّد صورة الملك الإله.

  • في الفن: ترك تراثًا معماريًا خالدًا ينافس عجائب الدنيا.

  • في التاريخ: ظل رمزًا للقوة والحكمة والدبلوماسية.

لقد أراد أن يخلد اسمه، فحقق ذلك بأكثر مما تخيل. فكل تمثال يحمل ملامحه، وكل معبد يشهد باسمه، وكل حجر في أبو سمبل يروي قصة ملكٍ لم يرضَ أن يكون مجرد إنسانٍ عادي.

ختامًا

يظل رمسيس الثاني واحدًا من أعظم الملوك الذين مروا على وجه الأرض. جمع بين البطولة العسكرية والبراعة السياسية والعبقرية المعمارية. قد يكون مرّ عليه أكثر من ثلاثة آلاف عام، لكنه ما زال حيًّا في وجدان التاريخ، كرمزٍ للخلود والإرادة والعظمة المصرية التي لا تزول.

رمسيس لم يكن مجرد ملكٍ حكم مصر، بل أسطورة إنسانية تختصر معنى المجد والخلود في التاريخ الإنساني كله.

اقرأ أيضًا


كلمات مفتاحية

رمسيس الثاني، فرعون مصر العظيم، من هو رمسيس الثاني، معركة قادش، معابد أبو سمبل، فرعون موسى، مومياء رمسيس الثاني، تاريخ الفراعنة، الأسرة التاسعة عشرة، الملك رمسيس الثاني.







تعليقات