التحكيم المصري بين العدالة والجدل: تاريخ الأزمات والمجاملات في كرة القدم المصرية
منذ نشأة كرة القدم المصرية مطلع القرن العشرين، ظل التحكيم يمثل أحد أكثر الملفات إثارةً للجدل داخل الملاعب وخارجها. فبين اتهامات بالمجاملات، وقرارات حاسمة أثرت في مصير بطولات، وأزمات امتدت إلى دهاليز الاتحاد المصري لكرة القدم، لم يخلُ أي عقد من تاريخه من نقاشات حول نزاهة الصافرة المصرية. وفي هذا المقال التحليلي، نسلّط الضوء على تاريخ التحكيم المصري، وأبرز محطاته المثيرة، وكيف تطور أداء الحكام، مع تناول أبرز الأزمات التي ارتبطت بالقرارات التحكيمية والإدارية وتأثيرها على سمعة اللعبة وتوازن المنافسة.
نشأة التحكيم في مصر وتطور منظومته
بدأ التحكيم المنظم في مصر مع تأسيس الاتحاد المصري لكرة القدم عام 1921، حيث تم اعتماد أول لجنة دائمة للحكام في الثلاثينيات. وكان التحكيم في بدايته يعتمد على الهواة، وغالبًا ما كان الحكام من لاعبين سابقين أو إداريين.
ومع انتشار البطولات الرسمية، وازدياد أهمية الدوري والكأس، أصبح التحكيم عاملًا أساسيًا في ترجيح كفة المنافسة بين الأندية، خصوصًا بين القطبين الأهلي والزمالك.
وفي الستينيات والسبعينيات، ظهر جيل من الحكام المصريين الذين مثلوا البلاد في المحافل الدولية، مثل علي قنديل وجمال الغندور ومصطفى كامل مرسي، ليؤسسوا لمرحلة جديدة من الاحتراف والانضباط الفني. التحكيم في الدوري المصري — ساحة الجدل التاريخي
1. المنافسة الأزلية بين الأهلي والزمالك
لا يمكن الحديث عن التحكيم دون التطرق إلى الديربي المصري الذي كان دائمًا محفوفًا بالقرارات المثيرة.
شهدت مباريات القمة في العقود الماضية مواقف مثيرة، أبرزها حالات الطرد والركلات الجدلية التي كانت تتصدر الصحف لأيام، مثل مباراة القمة عام 1999 التي أدارها الحكم الإيطالي "بيري لويجي كولينا"، حيث أُشيد بأدائه بعد أن أثبتت التجربة أن التحكيم الأجنبي أكثر قبولًا لدى الجماهير المصرية. 2. قرارات مؤثرة في حسم البطولات
شهدت بعض المواسم حسم لقب الدوري المصري بفارق نقطة أو بفارق الأهداف، وكانت قرارات تحكيمية في مباريات حاسمة محل نقاش طويل.
فعلى سبيل المثال، موسم 2010-2011 الذي انتهى بتتويج الزمالك في ظل جدل حول بعض القرارات، وموسم 2018-2019 الذي شهد اعتراضات من أكثر من نادٍ على أداء بعض الحكام المحليين.
وفي المقابل، كانت هناك مواقف حاسمة صبّت في مصلحة الأهلي أو الإسماعيلي أو المصري، ما يثبت أن الجدل لا يخص نادياً بعينه، بل هو سمة عامة للتحكيم المصري عبر تاريخه.
التحكيم المصري في البطولات القارية
منذ انطلاق بطولات الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (CAF)، شاركت الفرق المصرية بكثافة، وكان الحكام المصريون جزءًا أساسيًا من مشهدها التحكيمي. لكن، على الجانب الآخر، تعرضت الأندية المصرية أيضًا لقرارات مثيرة من حكام أفارقة، مما جعل الجماهير المصرية أكثر حساسية تجاه "العدالة التحكيمية".
ومن الملاحظ أن الاتحاد الأفريقي كان يستعين بالحكام المصريين في مباريات مصيرية لما يتمتعون به من خبرة وانضباط فني، لكن الأخطاء البشرية، التي لا يمكن فصلها عن اللعبة، ظلت حاضرة.
الإعلام والتحكيم — صناعة الجدل
الإعلام الرياضي المصري لعب دورًا محوريًا في تضخيم بعض الأخطاء التحكيمية، خصوصًا مع ظهور الفضائيات الرياضية ومنصات التواصل الاجتماعي.
تحوّل التحكيم إلى مادة إعلامية دسمة، وصار كل قرار جدلي يُحلَّل ويُعاد مرارًا من زوايا مختلفة.
وفي أحيان كثيرة، كان الإعلام سببًا في زيادة الضغط على الحكام، مما أدى إلى تراجع ثقة الجماهير في نزاهة الصافرة المصرية.
وقد حاول الاتحاد المصري لاحقًا مواجهة ذلك عبر لجنة الانضباط الإعلامي، ووضع ضوابط للحديث عن التحكيم في البرامج الرياضية.
التحكيم والإدارة — مجاملات أم تنظيم؟
الحديث عن التحكيم لا ينفصل عن الإدارة الرياضية، فالقرارات الخاصة بتعيين الحكام، أو العقوبات، أو إدارة المسابقات، كلها عناصر قد تولّد إحساسًا بالمجاملة إن لم تكن شفافة.
مرّت كرة القدم المصرية بفترات اتُّهم فيها بعض المسؤولين بمحاباة أندية معينة في جدول المباريات أو في تعيين الحكام الدوليين لمباريات بعينها.
لكن في المقابل، شهدت أيضًا فترات إصلاح جادة، حيث تم تطبيق نظام المراقبين، واستخدام التكنولوجيا (VAR) لتقليل الأخطاء. ولكن لا تزال الأمورة بعيدة عن العدالة في كثير من الأحيان خصوصًا مع التوجهات الواضحة لبعض الحكام في الملعب لصالح فريق بعينه كل ما يسمى بالأخطاء التحكيمية تصب في صالحه سواء في مبارياته أو في مباريات منافسيه... وهذا ما يقوله ويشيعه رواد السوشيال ميديا
أبرز الأزمات التحكيمية في التاريخ المصري
-
أزمة 1996: حين أعلن عدد من الأندية انسحابها اعتراضًا على قرارات تحكيمية وصفت بأنها "غير عادلة".
-
أزمة 2003: بعد لقاء الأهلي والإسماعيلي الذي شهد جدلًا حول ضربة جزاء غير محتسبة.
-
أزمة 2019: عندما اعترض نادي بيراميدز على بعض قرارات لجنة الحكام وطالب بتغيير نظام إدارة الدوري.
-
أزمة 2021: التي شهدت انسحاب أحد الأندية من مباراة الكأس بعد قرار بطرد لاعب مثير للجدل.
تلك الأزمات تظهر كيف ظل التحكيم في قلب الجدل، لكنها تكشف أيضًا عن حاجة مستمرة للتطوير والتأهيل.
التحكيم والتكنولوجيا — خطوة نحو العدالة
في عام 2019، تم إدخال تقنية الفار (VAR) في الدوري المصري لأول مرة.
رغم الترحيب العام بالفكرة، إلا أن التطبيق في البداية واجه صعوبات، من أبرزها ضعف جودة الكاميرات وتأخر القرارات، مما أثار الجدل مجددًا.
ومع مرور الوقت، بدأت المنظومة تتحسن، وأصبحت القرارات أكثر دقة، رغم بقاء بعض الأخطاء التي ترجع لتقدير الحكم.
اليوم، أصبح استخدام الفار جزءًا من الثقافة التحكيمية الحديثة، وأثبتت الإحصاءات أن نسبة الأخطاء قلت بشكل كبير مقارنة بما قبل عام 2019. هذا على المستوى العالمي، أما على المستوى المحلي المصري، فإن الكثير من حكام الفار أبناء الحكام السابقين يخطئون بشكل غريب ولا يساعدون حكم الساحة بشكل دائم بل بعضهم يتغافل عن أخطاء لفريق بينما يحتسبها لآخر في مباريات أخرى.
قيشو والتحكيم المصري
التحكيم المصري في نظر العالم
شارك حكام مصريون في بطولات كأس العالم وكأس الأمم الأفريقية والأولمبياد، وهو دليل على مكانة الصافرة المصرية دوليًا.
من الأسماء البارزة:
-
جمال الغندور (كأس العالم 1998 و2002).
-
عصام عبد الفتاح (كأس الأمم 2004).
-
محمد فاروق وإبراهيم نور الدين في بطولات أفريقيا المختلفة.
هذا الحضور يؤكد أن التحكيم المصري يتمتع بكفاءة عالية، لكنه في الداخل يواجه ضغوطًا جماهيرية وإعلامية تفوق مثيلاتها في الخارج.
كيف يمكن تطوير منظومة التحكيم المصري؟
-
الاحتراف الكامل للحكام: يجب أن يكون التحكيم وظيفة بدوام كامل لضمان التركيز والانضباط.
-
الشفافية في العقوبات والتقييمات: نشر تقارير الأداء بعد كل جولة يعزز الثقة.
-
توسيع قاعدة التعليم والتدريب: عبر ورش عمل مستمرة مع خبراء في القانون الرياضي.
-
تفعيل التكنولوجيا المتقدمة: استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الحالات التحكيمية وتدريب الحكام.
-
تحسين العلاقة مع الإعلام والجماهير: من خلال مؤتمرات دورية تشرح القرارات المثيرة للجدل.
التحكيم مرآة للمجتمع الرياضي
التحكيم في النهاية ليس مجرد صافرة، بل هو انعكاس لقيم العدالة والشفافية والانضباط داخل المجتمع الرياضي.
وإذا كانت كرة القدم مرآة للمجتمع، فإن تطوير التحكيم يعني ترسيخ ثقافة النزاهة والمساءلة في الرياضة المصرية والعربية ككل.
خاتمة
يبقى التحكيم المصري واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا في تاريخ كرة القدم المحلية، إذ يجمع بين الجدل والتطور، وبين المهنية والأخطاء البشرية التي لا يمكن تجاوزها.
ومع خطوات الإصلاح الجارية، يبدو أن الطريق نحو تحكيم نزيه واحترافي أصبح ممكنًا، شرط أن تتوافر الإرادة المؤسسية والدعم الجماهيري الحقيقي.
فالعدالة داخل المستطيل الأخضر ليست حلمًا بعيد المنال، بل هدف يمكن بلوغه بتكامل الجهود بين الاتحاد، والحكام، والأندية، والإعلام.
اقرأ أيضًا
كلمات مفتاحية
التحكيم المصري، الحكام في مصر، تاريخ التحكيم، لجنة الحكام، VAR في الدوري المصري، جمال الغندور، عصام عبد الفتاح، الأزمات التحكيمية، التحكيم في الأهلي والزمالك، تطوير التحكيم المصري، قرارات التحكيم المثيرة للجدل.
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا