بلاد السامبا والذهب، البرازيل!
تعرف التجربة البرازيلية في التنمية وعلاقتها بكرة القدم،،، من تحكمات صندوق النقد الدولي إلى التحرر بإرادة الشعوب
ننشغل هذه الأيام بالاستعداد لبطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 ومتابعة استعدادات كل المنتخبات لها.
ومن بين المنتخبات التي نتابعها وننتظر منها تقديم الأفضل دائمًا والفوز
بالبطولات هو منتخب السامبا (السيليساو) البرازيلية. فهو المنتخب الذي تعتبره الملايين من مشجعين كرة القدم المرشح
الأول دائمًا للفوز بالبطولة العالمية. لأن هذه هي البرازيل والسامبا التي يحبها خاصةً القاطنين في دول
العالم الثالث والبلاد النامية.
ولا أخفيكم سرًا أني كنت أحد أكثر واشد المشجعين لمنتخب البرازيل في
نسختي كأس العالم 2014 لكرة القدم. تلك التي
تم إقامتها على الأراضي البرازيلية في صيف عام 2014. فبعد أن تلقى منتخب البرازيل
الهزيمة بسباعية قاسية أمام منتخب ألمانيا. تحولت لتشجيع المنتخب الأرجنتيني ضد
المنتخب الألماني تحت شعار، “من حق دول العالم الثالث في أفريقيا وفي أمريكا
اللاتينية والقارة الآسيوية أن تقارع الكبار”. خاصةً وأنهم قد تقدموا بأيادي
وسواعد أبناء هذه البلاد الذين انتقلوا إليها. ليس لذنب اقترفته الشعوب ولكن لسوء
إدارة تعاني شعوبنا منه… ولهذا تجدوني أحد أكثر السعداء بصعود المنتخب المغربي
الذي أؤمن أنه لا يمثل سوى دولة المغرب في الحقيقة وهو فخر
لها. ونحن ما إلا نحاول أن “نتمحك” أو “نتمسح” به (التعبير الدارج لفعل الإدعاء
بالانتماء لمكان أو شخص ما). فدولة المغرب مثل بلادنا تعاني ما نعانيه وإن كنا
نعاني أكثر!
بقلم/ د. أسامة رمزي - استشاري تنمية وتعليم
بلاد السامبا والذهب: معلومات هامة عن دولة البرازيل
حديثنا عن التجربة البرازيلية في التنمية وعلاقته بكرة القدم
والاهتمام بها كجزء من الاهتمام بالعنصر البشري والتنمية البشرية. والتي هي المحرك
الأساسي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والتنمية الشاملة للأمم. لا يجب أن يمر
دون أن نقوم بعرض معلومات وبيانات عن البرازيل كدولة وكشعب…
أين تقع دولة البرازيل؟ معلومات عامة عن جمهورية البرازيل الاتحادية
جمهورية البرازيل الاتحادية هي دولة تقع في قارة أمريكا الجنوبية. وهي تعد الدولة الأكبر في القارة الأمريكية
الجنوبية من حيث المساحة. فمساحة دولة البرازيل تصل إلى ما يقارب 8.5 مليون كيلو
متر مربع، أي أنها أكثر من 8 أضعاف دولتنا المصرية من حيث المساحة.
وبخصوص عدد السكان الذي يتواجد في الأراضي البرازيلية، فإن عدد سكانها
طبقًا لإحصاء أمريكي تم الإعلان عنه في عام 2021 يبلغ حوالي 213 مليون شخص. وتعتبر
البرازيل طبقًا لهذه المعلومات هي خامس أكبر دولة. وذلك من حيث مساحتها واتساعها،
بينما تعتبر أيضًا هي سابع دولة على مستوى العالم في الترتيب من حيث عدد السكان.
العاصمة البرازيلية تسمى “برازيليا”، بينما توجد أشهر مدينة وأكثرها
اكتظاظًا بالسكان من حيث العدد وهي مدينة “ساو باولو“. وبمناسة اسم البرازيل
“جمهورية البرازيل الاتحادية” فإن هذا ناتج عن كون دولة البرازيل هي دولة اتحادية.
حيث أنها كدولة تضم عدد 26 ولاية بالإضافة إلى مقاطعة فيدرالية واحدة.
لغة البرازيل الرسمية، وتطورها كدولة
تعتبر اللغة البرتغالية هي اللغة الرسمية لدولة “البرازيل”. وهي
الدولة الأكبر في العالم من حيث عدد السكان الذين يتحدثون فيها بالبرتغالية. وذلك
لأن أكثر النازحين والمهاجرين إليها كانوا من المستكشفين البرتغاليين. كما أن
البرازيل خلال حوالي 100 عام كانت تستقبل هجرات جماعية كثيرة من جميع أنحاء
العالم. جدير بالذكر أن البرازيل ظلت تعتبر مستعمرة برازيلية منذ بداية القرن
السادس عشر (بعد عام 1500 وبداية رحلات الاستكشاف البرتغالية). وحتى بداية القرن
التاسع عشر (وبالتحديد عام 1808). بعدها أصبحت مملكة برتغالية مع دولة البرتغال ذاتها وذلك عام 1815.
هذا وقد نالت البرازيل استقلالها فيما بعد عام 1822 لكي تقوم بتكوين ما يُسمى بـ
“إمبراطورية البرازيل”.
العملة البرازيلية
الريال البرازيلي هو العملة التي يتم استخدامها وتداولها في دولة
البرازيل. وبالاطلاع على قيمته مقابل الجنيه المصري على سبيل المثال أثناء كتابة
هذا المقال وجدنا أن 1 ريال برازيلي يساوي الآن 4.64 جنيه مصري. بينما قيمته الآن
مقابل الدولار الأمريكي تساوي 0.19 دولار
أمريكي… اي أن الدولار الأمريكي الآن (أثناء كتابة هذا المقال) يساوي أكثر من 4
ريال برازيلي بقليل.
بلاد السامبا والذهب، البرازيل: التنمية في البرازيل، النمو الاقتصادي وتطوره
من بين حوالي 20 دولة على مستوى دول العالم، يعتبر الاقتصاد البرازيلي
هو الأفضل. وهو له مكانة عالية وسط أفضل 20 اقتصاد في العالم. وهو اقتصاد يعتمد
فيما يعتمد على المجال الزراعي بشكل كبير. وذلك على زراعات معينة تنتجها الأراضي
البرازيلية وهي محصولي الكاكاو والبن اللذين تصدرهما دولة البرازيل إلى جميع أنحاء
العالم.
كما تشتهر البرازيل بعدد من الصناعات يأتي على راسها صناعة الطائرات
الحربية. وأيضًا الطائرات المدنية التي يتم استخدامها للتنقل والسفر. هذا بالإضافة
إلى وجود نشاط سياحي هائل يدر دخل كبير إلى الدولة البرازيلية. وبذلك فإن دولة
البرازيل اقتصادها ينافس اقتصادات اليابان، أوروبا، و حتى دولة الصين. جدير بالذكر
أن البرازيل يوجد فيها عدد من ناطحات السحاب، وهي جزء من المعالم التي تجذب السياح
أيضًا.
بلاد السامبا والذهب، ماذا حدث في تطور الأوضاع الاقتصادية في دولة البرازيل؟
منذ العام 1930، والبرازيل كانت ترزح تحت الحكم العسكري الذي استمر
حتى الثمانينات من القرن الماضي (القرن العشرين). حيث تولى الحكم الجنرالات منذ
غيتويلو فارغاس وبعده جائت حكومات عسكرية كثيرة تسببت في عدد من الأزمات
الاقتصادية التي صاحبتها الحروب الأهلية. كما أنهم قضوا على الديمقراطية والحريات
ونشروا الاعتقالات إمعانًا في إذلال الشعب وتكميم الأفواه.
وفي فترة نهاية السبعينات، تولى الحكم أحد الجنرالات وهو المسمى بـ “جواو بابتيستا فيغوريدو“. الذي بدأ
في عملية التحول نحو الديمقراطية ولكن بشكل كان تدريجيًا حتى الوصول إلى حكم مدني
خالص. وقد استغرق الأمر في التحول من النظام العسكري الذي كان ديكتاتوريًا قمعيًا
واستبدادًا إلى الحكم المدني الديمقراطي والمؤسسي حوالي 10 سنوات. وقد بدأ الحكم
المدني في عام 1985 برئاسة “خوسيه سارني” حتى الوصول إلى الرئيس القادم الذي سوف
يتولى الرئاسة رسميًا للمرة الثالثة في تاريخ البرازيل وهو “لولا دا سيلفا”. والذي
سبق وكتبنا عنه مقال تم نشره هنا على موقع الأمنيات برس من قبل.
هذا ويعد ابرز الرؤساء المدنيين الذين تولوا رئاسة البرازيل هو “لولا دا سيلفا” والذي تولى الحكم لفترتين متتاليتين (8 سنوات) في المفترة من عام 2003
حتى عام 2010م. وقد ترك الحكم بالرغم من وجود نداءات له لكي يعدل الدستور ويستمر.
لكنه احترم دستور البلاد ورفض القيام بهذا الإجراء محافظًا على الديمقراطية التي
وصل إليها البرازيليون بعد معاناة طويلة. وبعد أن ابتعد عن الرئاسة 8 أعوام كان
ممنوعًا فيهم من الترشح بحكم الدستور. الذي يقر أحقية أي رئيس سابق في الترشح
للرئاسة مرة ثالثة إلا بعد أن تمر على فترة انتهاء حكمه فترتين رئاسيتين. وهذا ما
التزم به دا سيلفا ثم عاد للمنافسة على مقعد الرئاسة وحقق الفوز لإنجازاته التي
قام بها لصالح الشعب البرازيلي وخدمته.
المراحل التي مر بها اقتصاد دولة البرازيل لكي يصل إلى النمو… ثلاث مراحل
مر تطور الاقتصاد في دولة البرازيل بثلاث مراحل متتالية مختلفة، وهذه
المراحل كانت على النحو والترتيب التالي:
(1) المرحلة الأولى: سيطرة الحكومات العسكرية
وفي هذه المرحلة هيمنت الرأسمالية بتوحشها المعروف، وانحازت كل
السياسات لصالح رجال الأعمال الكبار ومصالحهم. وكان لأصحاب الشركات والتجار السطوة
والحظوة وتزاوج المال بالسلطة. ولم يكن أحد في هذه المرحلة يكترث بالفقراء
ومصالحهم أو يهتم بهم سوى كونهم عُمالاً ينتجون مقابل أقل القليل. وقد تبنت
الحكومات الديكتاتورية في هذه المرحلة سياسات اقتصادية اعتمدت على الاقتراض خاصةً
من الخارج. وذلك لكي تستطيع القيام بمشروعاتها التنموية المزعومة وهي مشروعات في
صفتها استهلاكية دون دراسة ولكن من أجل تلميع الحاكم وحكوماته.
وهذه السياسات الاقتصادية التي انتهجتها الحكومات العسكرية في البرازيل، قد تسببت في تحميل البلاد بديون كبيرة للخارج. وهذه الديون شكلت عبئًا لا يمكن احتماله على الطبقات الفقيرة وعلى الأجيال القادمة التي لم ولن تستفيد من اي مشروعات تمت. وأبرز فترة سادت فيها هذه المرحلة كانت فترة السبعينات من القرن الماضي (القرن العشرين)
(2) المرحلة الثانية: الفترة الانتقالية من الديكتاتورية إلى الديمقراطية ومواجهة الديون والأزمات التي خلفتها
وفي هذه المرحلة، والتي بدأت مع منتصف الثمانينات وحتى بداية
التسعينات من القرن العشرين. بدأت الدولة التي كانت تتوجه نحو التحول إلى
الديمقراطية بشكل تدريجي وبرزت فيها سياسات تعليمية واضحة. والاهتمام بتعليم
الكبار والصغار ومحو الأمية وتم تبني أفكار باولو فريري التحررية في التعليم. بدأت
الدولة في مواجهة أزمة الديون المتراكمة. وهي الأزمة التي نتحت عن سياسات
الاستدانة المتهورة التي تبنتها الحكومات العسكرية.
وقد بدأت الدولة في هذه المرحلة بالحد من معدلات التضخم التي كانت
مرتفعة والسيطرة عليها. كما أن المعدلات الخاصة بالنمو بدأت في التراجع ولكن في
نفس الوقت بدأ تواجد نوع أو درجة من التوزيع العادل للثروة في البلاد.
(3) المرحلة الثالثة: مرحلة الحكم المدني
وتراجع السلطة العسكرية عن الحكم.
في حقبة التسعينات من القرن العشرين، كانت السلطة العسكرية وسيطرة
الجيش على الحكم في البرازيل قد تراجعت. وبدأ الحكم المدني والسياسات الديمقراطية
والانتقال السلمي للسطلة بانتخابات نزيهة وحقيقية هو الذي يسود. وقد تبنى الحكم
المدني في هذه الفترة سياسات راسمالية أيضًا ولكن مع نوع من الحماية الاجتماعية
للفقراء واهتمام بالتعليم والتمكين الاقتصادي.
كما أن هذه الفترة تبنت سياسات خصخصة ولكن مع محاربة الفساد والاحتكار
وحماية المنافسة في السوق. كما أن هذه الفترة من مراحل النمو الاقتصادي البرازيلي
من بين ما يميزها أنها حررت الاقتصاد بالكامل من كل سيطرة… فكانت سياسات السوق
والعرض والطلب هي الحاكمة.
بلاد السامبا والذهب، البرازيل: السياسات الاقتصادية التي تبنتها واتبعتها البرازيل من أجل أن تقوم بتحقيق التنمية في البلاد
تبنت الدولة البرازيلية عددًا من السياسات واهتمت بعدد من القطاعات
المختلفة والمتنوعة التي مكنتها من النمو الاقتصادي. وكان أول ما تبنته من سياسات
هو الابتعاد عن الاقتراض الخارجي والاعتماد على الذات بقدر الإمكان. لأنه ليس هناك
اقتراض بدون شروط، ولا شروط إلا لكي تكون عائق ومكبل للنمو الاقتصادي ومجحف نحو
الفقراء الذي يشكلون الغالبية من الشعب في الدولة. وهذا الإجحاف يقتص من حقوقهم في
الحصول على رعاية صحية، تعليمية، وغذاء وكساء… إلخ.
وأهم هذه السياسات التي قامت البرازيل بتبنيها بعد أن حققت
الديمقراطية إلى حد كبير كان:
- خطة سميث للعام 1994.
وهي الخطة التي تم تسميتها بـ “الخطة الحقيقية” والتي اشتملت على كل
السياسات الداعمة لتحرير التجارة تحريرًا حقيقيًا. كما أنها اشتملت على برنامج
لخصخصة المشروعات العامة ولكن بضمانات النزاهة ومكافحة الفساد والاحتكار. وأيضًا
تضمنت سياسات من شأنها أن تؤدي إلى السيطرة على التضخم من ناحية ومن ناحية أخرى
تقوم على جذب رؤوس الأموال الأجنبية كما تعمل أيضًا على تخفيض العجز الحادث فيما
يسمى بميزان المدفوعات.
كما تم الاعتماد وبصرامة على تخفيض الإنفاق الحكومي وترشيده. وذلك مع
القيام بإصلاحات تعتبر جذرية في كل ما يخص السياسات المالية الحكومية. كما أن هذا
جاء مقترنًا بالعمل على إصلاحات مؤسسية سواء في الاقتصاد أو في التشريعات الخاصة
به. وهذا جنبًا إلى جنب مع إصلاح وتطوير النظم التي تمارس بها الحكومة وأجهزة
الدولة المختلفة عملها. وذلك حتى يتم جذب الاستثمارات وتحقيق النمو بشكل منتظم.
وساندت الدولة فيما ساندت ودعمت المشروعات الصغيرة، والمشروعات
المتناهية في الصغر. هذا مع دعم ومساندة المشروعات القومية والكبيرة. سواء كانت
هذه المساندة بالدعم المادي، أو القانوني وبالتيسير والتشجيع والمساندة وأيضًا
الحماية. وذلك للتغلب على وحل مشكلة البطالة سواء من الخريجين بالفعل أو المتوقع
دخولهم إلى سوق العمل في السنوات المستقبلية. كما حدث وأن قامت الدولة بدمج
السوقين الرسمية وغير الرسمية والربط بينهما للإسهام في عملية التنمية بشكل أكثر
فاعلية.
- مكافحة الفقر، وتحقيق/ تعزيز العدالة
الاجتماعية
من أهم السياسات التي تبنتها الدولة البرازيلية، بل وهي أهمها على الإطلاق وأكثرها نجاحًا. هي السياسات الخاصة بكافحة الفقر ومظاهره. والسياسات الخاصة بالعمل على تحقيق العدالة الإجتماعية بشكل فعلي وعملي.
وهذه السياسات تشمل:
- وجود حد أدنى للأجور… وهذه السياسة تم
تطبيقها في كل الوظائف على مستوى القومي، ولكن كان الإنجاز الأهم في هذه
السياسة وتفعيلها هو أن الدولة البرازيلية حافظت للمواطنين/ الموظفين على
القيمة الحقيقية للمبالغ المالية التي يتقاضونها كأجور. وقد تم ربط هذا الحد
الأدنى للأجور الذي وضعته الدولة بمعدل التضخم، أي أنه يزيد تلقائيًا كلما زاد
التضخم والعكس. وذلك بأن يتم تعديل هذا الحد الأدنى من الأجور بشكل دوري. وهو
الأمر الذي ساعد في تحسين المستوى المعيشي والاقتصادي للعاملين في القطاعين
الخاص والعام.
- الضمان الاجتماعي وسياساته… قامت الدولة حيث
شملت هذه السياسات جميع الفئات وكل أماكن العمل في القطاع الخاص والعام.
وأيضًا صغار المزارعين، الفقراء من العمال، وكذلك المسنين.
- سياسة المساعدات الاجتماعية… كذلك تبنت
الحكومات البرازيلية سياسات للدعم النقدي لبعض الشرائح من الفقراء. وهؤلاء
الذين يستحقون الدعم النقدي في البرازيل هم من يتحصلون على دخول أقل من الحد
الأدنى للأجور الموضوع بنسبة 25% فأكثر. كما أن هناك شروط أخرى تم وضعها من
أجل منح هذه المساعدات للأسر الفقيرة. وذلك مثل عدد الأطفال في كل أسرة،
التحاقهم بالمدارس من أجل نوال قسط كافي من التعليم وعدم تسربهم. وأيضًا من
الشروط الالتزام بالحصول على التطعيمات المختلفة للأطفال من أجل الوقاية من
الأمراض والأوبئة… إلخ.
- الإصلاح الحكومي وسياساته
التزمت الحكومات البرازيلية المتعاقبة في فترة ما بعد الحكم العسكري بإجراء إصلاحات حكومية عديدة. وهذه الإصلاحات كانت أهم الركائز التي تم الاعتماد عليها من خلال دولة البرازيل لدعم السياسات المتنوعة التي ساهمت في تحقيق التنمية الإقتصادية.
هذا ويمكن تلخيص هذه الإصلاحات الحكومية في النقاط التالية:
- التغيير الجذري فيما يسمى بـ “أدوار الدولة”…
حيث تم إجارء إصلاحات في هيكل ونظام العمل الحكومي. وذلك من أجل أن
يتم تطوير الآداء الخاص بها. كما قاد هذا إلى تحسن الاقتصاد وتحفيز ودعم النمو.
كما أنه ساهم وساعد في تحقيق العدالة الإجتماعية.
- من أجل تنظيم الأسواق تم استحداث عدد من
الهيئات والمجالس التي مهمتها الأساسية هي الرقابة.
وهذه الرقابة كانت موجهة على الأسواق، وعلى المرافق العامة والخدمات العامة
التي صار يقدمها القطاع الخاص بعد إجراء الخصخصة. كما أن هذه الرقابة كانت موجهة
أيضًا إلى الخدمات التي تقدمها الحكومة ذاتها. ووضعت الحكومات قواعد تضمن جذب
وتشجيع الاستثمار… كذلك تم تطوير كل الهيئات التي تخص الإحصاء، حقوق الملكية
الفكرية والأبحاث وأيضًا التقاعد… إلخ.
- قامت الحكومة البرازيلية بعمل تعديلات
دستورية على الدستور وذلك في عام 1998.
وكانت هذه التعديلات تخص الموارد البشرية والإدارة في كل قطاعات
الدولة. حيث تم إجراء تغييرات في نظام التوظيف والتقاعد. وذلك على أن يكون التوظيف
بناءًا على الاحتياجات الفعلية لقطاعات الحكومة وبناءًا على الكفاءة أيضًا.
- استخدمت الحكومات البرازيلية نظام “الإدارة
القائمة على النتائج”.
وفيها يتم التخطيط بناءًا على الأهداف المحددة “للأداء”. مع تحديد
النتائج المرغوب الوصول إليها تحديدًا واضحًا ويمكن قياسه.. وبذلك يمكن قياس اي إنجاز
يتم تحقيقه من خلال مؤشرات قياس محددة منبثقة من النتائج المخطط الوصول إليها.
وبذلك أصبح من الممكن تحديد المسئوليات ومحاسبة كل مسئول عن إنجازاته طبقًا لنتائج
أعماله المحددة سلفًا والتي يمكن قياسها. وأيضًا عن الإخفاقات في تحقيق النتائج
المرجوة والأهداف المحددة المخطط لها.
- التطوير في نظام التخطيط المالي
أجرت دولة البرازيل تطويرًا في نظم التخطيط المالي، وأيضًا في نظام
الموازنة العامة وكل النظام المالي. وقد اشتمل ذلك على المساءلة لكل “مسئول” عن
مدى تحقيق النتائج. وأيضًا مزيد من الشفافية في وجود رقابة شديدة على أي تعاملات
مالية حكومية. كما أن هذه السياسات اتجهت نحو جعل الإنفاق الحكومي بشكل عام حافزًا
لتحقيق العدالة الإجتماعية وأيضًا النمو. وذلك من أجل استهداف والوصول إلى تحسين
جودة كل الخدمات العامة التي يتم تقديمها للمواطنين.
كرة القدم في بلاد السامبا، وعلاقتها بالتنمية الاقتصادية في البرازيل
في مقال نشره أ. د/ يحيى الجيوشي على أحد المواقع المهتمة بالدراسات
الاقتصادية والمال. تحدث فيه عن أثر كرة القدم في الاقتصادات القومية في بعض الدول
ومنها دولة البرازيل. وقد ذكر أن صناعة كرة القدم والاهتمام بها يضيف إلى الناتج
المحلي لدولة البرازيل ما قيمته نسبة (5%) من إجمالي الناتج المحلي. وهذه نسبة
كبيرة إذا ما نظرنا إلى أن كرة القدم في الأصل هي للترفيه ونوع من أنواع الرياضة.
لكنها تحولت إلى صناعة ووفرت ملايين من فرص العمل في كل أنجاء العمل. حيث استوعبت
نسب لا بأس بها من القوى العاملة في البلدان التي تهتم بها.
فعلى سبيل المثال لا الحصر وكما تم ذكره في المقال الذي عنوانه، "العلاقات المتبادلة بين الاقتصاد والرياضة". فإن
صناعة كرة القدم في دولة إنجلترا وحدها توفر فرص عمل يمكن أن تبلغ 500 ألف (نصف
مليون) فرصة عمل دائمة. وهذا ما نسبته 2.3% من إجمالي الوظائف في دولة مثل
إنجلترا. وهذا بالطبع بخلاف فرص العمل غير الدائمة والموسمية. لذلك فإن رياضة كرة القدم يتم التنافس على تنظيم بطولاتها وفعالياتها بين الدول من أجل الأموال التي
تضخها. وأيضًا مساهمتها في نمو الاقتصاد المحلي لأي دولة تهتم بها. حيث أنها تجذب
السياحة، وعوائد بث، ودعم المنظمات الرياضية الدولية والقارية… إلخ.
وهذا أحد الأسباب وأهمها التي دعت البرازيل إلى تنظيم بطولة كأس
العالم لكرة القدم عام 2014. وذلك رغم الاعتراضات والتظاهرات التي سبقت هذا
التنظيم بسبب عدم التأكد من جدوى هذا التنظيم للبطولة والعوائد منها. كما أن
البرازيل تهتم أيضًا بتنمية المواهب والاستثمار فيها وفي كرة القدم بشكل عام. حيث
أن لاعبي البرازيل منتشرين في كل دوريات العالم وهم بكل تأكيد مصدر دخل لدولتهم
بدفع الضرائب أو بتحويل العملة الصعبة.
بعض المراجع التي اعتمد عليها الكاتب في تقديم هذا المقال
- أمل مختار، تجربة النمو الاقتصادي في
البرازيل: نموذج استرشادي لمصر، مركز الأهرام للدراسات السياسية
والاستراتيجية.
- تقرير موجز حول التجارب الدولية، والدروس
المستفادة: المنتدى الدولي حول مسارات التحول الديمقراطي، برنامج الأمم المتحدة
الإنمائي، 5- 6 يونيو عام 2011م.
- محمود خليفة، القيادة السياسية في البرازيل
وأثرها على الاستقرار الاقتصادي، مركز الديمقراطي العربي.
- يحيى الجيوشي، العلاقات المتبادلة بين الاقتصاد والرياضة، صحيفة مال، 31 يناير 2022.
اقرأ أيضًا
يوم الخدعة الكبرى: كيف تحوّل الأول من أبريل إلى مسرح عالمي للمزاح والذكاء؟
رفاعة الطهطاوي: مهندس الجسر بين الأزهر وباريس وصانع الوعي الحديث في مصر
قاسم أمين بين رياح التحديث وصخب المحافظين: سيرة “محرر المرأة” في لحظة تحول مصرية
جمال الدين الأفغاني: العابر للحدود وصانع يقظة الشرق في زمن الإمبراطوريات
بين النص والحرية: نصر حامد أبو زيد ورحلته في إعادة التفكير في الخطاب الديني
روبن هود (Robin Hood): أسطورة الغابة التي أعادت تعريف العدالة في إنجلترا العصور الوسطى
أدهم الشرقاوي: بين الحقيقة والأسطورة… سيرة بطل شعبي صاغه الألم وصنعته الحكايات
علي الزيبق (Ali Al-Zibaq): بطل الحيلة والذكاء في مواجهة القهر المملوكي
السيرة الهلالية (The Hilali Epic): ملحمة العرب الكبرى بين التاريخ والخيال الشعبي
جحا (Juha): الحكيم الذي اختبأ خلف قناع السخرية
ألف ليلة وليلة: حين أنقذت الحكايةُ العالم من السيف
موليير… المسرحي الذي فضح الإنسان وهو يضحك
فولتير… الكاتب الذي حوّل الكلمة إلى سلاح ضد الظلام
طاغور: شاعر الإنسانية الكونية وصوت الشرق الذي خاطب العالم
سقراط (Socrates): حكيم أثينا الذي علّم الإنسانية كيف تفكّر قبل أن تتكلم
ضمير الدراما المصرية: أسامة أنور عكاشة وسرد الحلم والواقع في وجدان العرب
ماري منيب: سيدة الكوميديا الصارمة… حين تحوّلت الأم المتسلطة إلى أيقونة للضحك المصري
«الست»: منى زكي حين تواجه الأسطورة… سينما تحاور الذاكرة وتعيد تعريف البطولة
سمية الألفي: من قلب الشرقية إلى قلوب الجماهير… رحلة فنية وإنسانية تتجاوز الشاشة
نجلاء فتحي… الوجه الذي كبر مع الزمن: سيرة فنية لنجمة صنعت جمالًا مختلفًا في السينما العربية
سليمان نجيب: أرستقراطي السينما المصرية الذي حوّل الوقار إلى فن خالد
يوسف شعبان: ملامح الصرامة وأناقة الأداء في ذاكرة الفن العربي
محمد فوزي: الفنان الذي غنّى بفرح ودفع ثمن الابتكار وحده
نور الشريف: الممثل الذي جعل من التمثيل معرفة ومن الفن موقفًا
إحسان عبد القدوس.. رائد الثورة الهادئة في الأدب المصري بين الحب والتمرد
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا