العقل الذي قاس الأرض وفهم الإنسان: البيروني ورحلة العلم بلا حدود
في تاريخ الحضارة الإنسانية، نادرًا ما يظهر عقلٌ جمع بين دقة العالم، وفضول الرحّالة، وعمق الفيلسوف، ونزاهة المؤرخ كما فعل أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني. لم يكن البيروني عالمًا في تخصّص واحد، بل كان مشروعًا معرفيًا متكاملًا، سبق عصره بقرون، ووضع أسسًا علمية ومنهجية لا تزال تُعد من ركائز البحث العلمي الحديث.
لقد عاش البيروني في زمنٍ كانت فيه العلوم تتداخل بالفلسفة، والعقيدة، والسياسة، ومع ذلك استطاع أن يؤسس لنموذج فريد من التفكير القائم على الملاحظة، والتجربة، واحترام الآخر، في وقتٍ لم تكن هذه القيم شائعة أو مقبولة على نطاق واسع.
النشأة والتكوين: عبقرية تولد على أطراف العالم
وُلد أبو الريحان البيروني عام 973م في خوارزم (في أوزبكستان الحالية)، في بيئة علمية نشطة لكنها بعيدة عن مراكز الخلافة الكبرى. وقد انعكس هذا البُعد الجغرافي إيجابًا على شخصيته؛ إذ منحه استقلالًا فكريًا، وحرّره من هيمنة المدارس التقليدية الصارمة.
منذ صغره، أظهر البيروني شغفًا استثنائيًا بالرياضيات والفلك واللغات. لم يكن تعلّمه تقليديًا فحسب، بل كان قائمًا على التساؤل المستمر، ومحاولة فهم الظواهر لا حفظها. وقد أتقن عددًا كبيرًا من اللغات، منها العربية، والفارسية، واليونانية، والسريانية، والسنسكريتية، ما مكّنه لاحقًا من دراسة الحضارات المختلفة من مصادرها الأصلية.
العلم كمنهج لا كتراث جامد
تميّز البيروني بنظرته الفريدة للعلم بوصفه عملية بحث مستمرة، لا مجموعة مسلّمات مقدسة. فقد رفض التسليم بالأقوال دون دليل، حتى لو صدرت عن كبار العلماء. وكان يؤمن بأن الحقيقة لا تُعرف بالسلطة، بل بالبرهان.
في كتاباته، يظهر البيروني ناقدًا صارمًا للأخطاء العلمية، سواء عند اليونان أو عند علماء عصره، لكنه كان نقدًا علميًا موضوعيًا لا جدلًا أيديولوجيًا. وهذه النزاهة الفكرية جعلته واحدًا من أوائل من طبّقوا المنهج المقارن والتجريبي بصورة واعية.
البيروني وعلم الفلك: ما قبل كوبرنيكوس بقرون
في علم الفلك، كان البيروني من أكثر العلماء تقدمًا في عصره. ناقش فكرة دوران الأرض حول محورها، ولم يستبعد إمكانية دورانها حول الشمس، في وقتٍ كان فيه هذا الطرح يُعد جريئًا للغاية.
كما قدّم وصفًا دقيقًا لحركة الكواكب، وانتقد بعض النماذج البطلمية، لا من منطلق الرفض المطلق، بل من خلال اختبارها حسابيًا ورصديًا. وقد استخدم أدوات رياضية متقدمة لحساب خطوط الطول والعرض، ومواقع النجوم، والكسوف والخسوف.
قياس محيط الأرض: عبقرية التجربة العلمية
من أعظم إنجازات البيروني العلمية قياسه لمحيط الأرض بدقة مذهلة، مستخدمًا منهجًا رياضيًا وتجريبيًا يعتمد على حساب زاوية ارتفاع جبل ومحيط الأرض دون الحاجة إلى قطع مسافات طويلة.
ما يثير الإعجاب ليس النتيجة فحسب، بل المنهج:
-
ملاحظة دقيقة
-
تجربة قابلة للتكرار
-
حساب رياضي صارم
وهو ما يجعل البيروني سابقًا فعليًا للمنهج العلمي الحديث بعدة قرون.
الهند بعيون عالم لا غازٍ
يُعد كتابه الشهير "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" من أعظم الأعمال في تاريخ الدراسات المقارنة. لم يتعامل البيروني مع الهند من منظور التفوق أو الإدانة، بل درس عقائدها، وعلومها، وعاداتها كما هي، محاولًا فهمها من داخلها.
لقد وضع البيروني قاعدة ذهبية للبحث الثقافي:
بهذا المنهج، سبق علم الأنثروبولوجيا الحديث، وقدّم نموذجًا نادرًا للتسامح الفكري والانفتاح الحضاري.
البيروني والمؤرخ العلمي
لم يكن البيروني مؤرخًا للأحداث فقط، بل مؤرخًا للأفكار والعلوم. في كتابه "الآثار الباقية عن القرون الخالية"، درس التقاويم، والأعياد، والنظم الزمنية لدى مختلف الأمم، رابطًا بين الفلك، والتاريخ، والدين.
وقد تعامل مع الزمن بوصفه مفهومًا علميًا وثقافيًا في آن واحد، لا مجرد تسلسل للأيام، وهو طرح متقدم للغاية حتى بمقاييس العصر الحديث.
شخصية البيروني: عالم مستقل لا تابع
عُرف البيروني بعزوفه عن التكسّب بالعلم، ورفضه للخضوع للسلطة السياسية. وعلى الرغم من عمله في بلاط بعض الحكّام، فإنه حافظ على استقلاله الفكري، ولم يكتب علمًا دعائيًا أو تبريريًا.
كان ناقدًا، صريحًا، لا يجامل في الحقيقة، وهو ما جعله أحيانًا معزولًا، لكنه منح أعماله مصداقية نادرة.
إرث البيروني وتأثيره العالمي
رغم أن الغرب لم يكتشف البيروني إلا متأخرًا، فإن علماء كثيرين اعتبروه:
-
من أعظم علماء العصور الوسطى
-
رائد المنهج التجريبي
-
مؤسس الدراسات المقارنة بين الحضارات
ولا تزال أفكاره تُدرّس في مجالات الفلك، والجغرافيا، والتاريخ، والأنثروبولوجيا، بوصفها نماذج مبكرة للتفكير العلمي الرصين.
خاتمة: عالم ينتمي إلى الإنسانية لا إلى زمنه
لم يكن البيروني عالمًا مسلمًا فحسب، ولا عالمًا شرقيًا فقط، بل كان عالمًا إنسانيًا بالمعنى الأوسع. تجاوز حدود الجغرافيا، واللغة، والعقيدة، ليبحث عن الحقيقة حيثما كانت.
إن سيرة البيروني تذكير بأن العلم الحقيقي لا يعترف بالحدود، وأن أعظم العقول هي تلك التي تسأل أكثر مما تجيب، وتفهم أكثر مما تحاكم.
اقرأ أيضًا
العين التي سبقت التلسكوب: تيخو براهي ومعركة الدقة في فلك ما قبل الثورة العلمية
حين تكلمت السماء بلغة الرياضيات: الرحلة الفكرية المدهشة ليوهانس كبلر
كوبرنيكوس (Copernicus): الرجل الذي أزاح الأرض من مركز الكون وغيّر مسار المعرفة الإنسانية
جاليليو جاليلي (Galileo Galilei): حين واجه العقلُ السماء وغيّر الإنسان طريقته في فهم الكون
أرخميدس (Archimedes): العقل الذي سبق عصره ووضع أسس العلم بين العبقرية والتجربة
بطليموس (Ptolemaeus): العقل الذي رسم صورة الكون وعلّم الإنسان كيف يرى الأرض والسماء
رامبرانت (Rembrandt)… حين تحوّل الضوء إلى سيرة إنسانية خالدة
ميكي ماوس (Mickey Mouse): الفأر الذي علّم العالم كيف يبتسم
علي الزيبق (Ali Al-Zibaq): بطل الحيلة والذكاء في مواجهة القهر المملوكي
السيرة الهلالية (The Hilali Epic): ملحمة العرب الكبرى بين التاريخ والخيال الشعبي
جحا (Juha): الحكيم الذي اختبأ خلف قناع السخرية
ألف ليلة وليلة: حين أنقذت الحكايةُ العالم من السيف
موليير… المسرحي الذي فضح الإنسان وهو يضحك
فولتير… الكاتب الذي حوّل الكلمة إلى سلاح ضد الظلام
طاغور: شاعر الإنسانية الكونية وصوت الشرق الذي خاطب العالم
سقراط (Socrates): حكيم أثينا الذي علّم الإنسانية كيف تفكّر قبل أن تتكلم
ضمير الدراما المصرية: أسامة أنور عكاشة وسرد الحلم والواقع في وجدان العرب
ماري منيب: سيدة الكوميديا الصارمة… حين تحوّلت الأم المتسلطة إلى أيقونة للضحك المصري
«الست»: منى زكي حين تواجه الأسطورة… سينما تحاور الذاكرة وتعيد تعريف البطولة
سمية الألفي: من قلب الشرقية إلى قلوب الجماهير… رحلة فنية وإنسانية تتجاوز الشاشة
نجلاء فتحي… الوجه الذي كبر مع الزمن: سيرة فنية لنجمة صنعت جمالًا مختلفًا في السينما العربية
كلمات مفتاحية
أبو الريحان البيروني
تاريخ العلوم
علم الفلك
قياس الأرض
الحضارة الإسلامية
المنهج العلمي
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا