حين تتكلم القمم: اليوم الدولي للجبال وقصة الأرض التي ترفع الإنسان نحو المستقبل
ليست الجبال مجرد كتل صخرية شاهقة أو مناظر طبيعية تخطف الأنفاس، بل هي أنظمة حياة متكاملة، وذاكرة جيولوجية للأرض، وموطن لملايين البشر والكائنات الحية، وخزّان حيوي للمياه، وحائط صد طبيعي في مواجهة تغيّر المناخ. ومن هذا الإدراك العميق لأهمية الجبال، جاء اليوم الدولي للجبال ليكون مناسبة عالمية سنوية تُعيد تسليط الضوء على القمم التي كثيرًا ما ننظر إليها بإعجاب، لكننا نغفل عن دورها المحوري في استمرار الحياة على الكوكب.
إعداد/ د. أسامة رمزي - استشاري تنمية وتعليم
ما هو اليوم الدولي للجبال؟
يُحتفل بـ اليوم الدولي للجبال في 11 ديسمبر من كل عام، وهو يوم اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بهدف:
-
رفع الوعي بأهمية الجبال في التنمية المستدامة
-
تسليط الضوء على التحديات التي تواجه النظم البيئية الجبلية
-
دعم المجتمعات التي تعيش في المناطق الجبلية
هذا اليوم ليس احتفالًا رمزيًا فقط، بل دعوة عالمية للتفكير والعمل من أجل حماية واحدة من أكثر البيئات هشاشة وتأثيرًا في آن واحد.
لماذا تم اختيار 11 ديسمبر تحديدًا؟
جاء اختيار 11 ديسمبر امتدادًا لإعلان السنة الدولية للجبال عام 2002، والتي مثّلت نقطة تحوّل عالمية في فهم دور الجبال. وبعد النجاح الكبير لتلك السنة، قررت الأمم المتحدة تثبيت يوم عالمي سنوي يضمن:
-
استمرار الزخم الدولي
-
عدم تراجع الاهتمام بقضايا الجبال
-
دمج قضايا الجبال في أجندات التنمية والبيئة
ومن هنا أصبح 11 ديسمبر موعدًا ثابتًا لتجديد الالتزام العالمي تجاه الجبال.
الجبال في ميزان العالم… أرقام ودلالات
لفهم أهمية الجبال، لا بد من التوقف أمام بعض الحقائق الجوهرية:
-
تغطي الجبال حوالي 27% من مساحة اليابسة
-
يعيش في المناطق الجبلية ما يقرب من 15% من سكان العالم
-
توفّر الجبال أكثر من 50% من المياه العذبة للبشرية
-
تضم الجبال نسبة هائلة من التنوع البيولوجي العالمي
هذه الأرقام تجعل الجبال ليست مجرد عنصر جغرافي، بل ركيزة أساسية للحياة والاقتصاد والبيئة.
الجبال والمياه… خزائن الحياة الصامتة
مصادر المياه العذبة
تُعرف الجبال باسم "أبراج المياه"، لأنها:
-
تحتضن الأنهار الجليدية
-
تغذّي الأنهار الكبرى
-
تحفظ الثلوج التي تذوب تدريجيًا
أي خلل في النظم الجبلية ينعكس مباشرة على:
-
الزراعة
-
المدن الكبرى في السهول
تغير المناخ وخطر الذوبان
مع ارتفاع درجات الحرارة:
-
تتراجع الأنهار الجليدية
-
يقل مخزون المياه
-
تزداد مخاطر الفيضانات والانهيارات
التنوع البيولوجي في الجبال
تُعد الجبال موطنًا لآلاف الأنواع من:
-
النباتات النادرة
-
الحيوانات المهددة بالانقراض
-
النظم البيئية المتخصصة
ويرجع ذلك إلى:
-
اختلاف الارتفاعات
-
تنوّع المناخات
-
العزلة الطبيعية
لكن هذا التنوع يواجه تهديدات خطيرة، أبرزها:
-
إزالة الغابات
-
الرعي الجائر
-
التعدين غير المنضبط
الإنسان والجبال… علاقة قديمة ومعقّدة
المجتمعات الجبلية
عاشت المجتمعات الجبلية عبر التاريخ في:
-
عزلة نسبية
-
اعتماد كبير على الطبيعة
-
أنماط حياة مستدامة
لكنها اليوم تواجه:
-
الفقر
-
ضعف الخدمات
-
الهجرة القسرية
المعرفة التقليدية
يمتلك سكان الجبال:
-
خبرات زراعية فريدة
-
طرقًا مستدامة في إدارة الموارد
-
ثقافات غنية ومتنوعة
واليوم الدولي للجبال يهدف إلى حماية هذه المعرفة وعدم تركها للاندثار.
الجبال والتنمية المستدامة
لا يمكن تحقيق أهداف التنمية المستدامة دون إدماج الجبال في السياسات العامة، لأن:
-
الفقر في الجبال مرتبط مباشرة بالفقر في السهول
-
تدهور الجبال يؤثر على الأمن الغذائي
-
حماية الجبال تعني حماية المدن
محاور التنمية الجبلية
-
الزراعة الجبلية المستدامة
-
السياحة البيئية المسؤولة
-
الطاقة المتجددة
-
تمكين المجتمعات المحلية
موضوعات سنوية لليوم الدولي للجبال
في كل عام، يتم اختيار شعار أو موضوع محدد لليوم الدولي للجبال، مثل:
-
الجبال والتنوع البيولوجي
-
الجبال والمناخ
-
الجبال والمياه
-
الجبال والشباب
وهذه الموضوعات تساعد على:
-
توجيه النقاش العالمي
-
تحفيز المبادرات
-
إشراك الحكومات والمجتمع المدني
الجبال في العالم العربي
رغم أن العالم العربي يُعرف بالصحارى، إلا أنه يضم سلاسل جبلية مهمة، مثل:
-
جبال الأطلس في المغرب
-
جبال لبنان
-
جبال سيناء
-
جبال اليمن
وتواجه هذه الجبال تحديات خاصة، منها:
-
التوسع العمراني
-
ضعف التخطيط البيئي
-
التغيرات المناخية
ويمثل اليوم الدولي للجبال فرصة لإعادة إدراج الجبال العربية في النقاش البيئي والتنموى.
كيف يمكن للأفراد والمؤسسات المشاركة؟
على مستوى الأفراد
-
نشر الوعي عبر وسائل التواصل
-
دعم المنتجات المحلية الجبلية
-
السياحة المسؤولة
على مستوى المؤسسات
-
إدماج قضايا الجبال في البرامج التنموية
-
دعم الأبحاث البيئية
-
تمويل مبادرات المجتمعات الجبلية
لماذا الجبال قضية مستقبلية؟
الجبال ليست قضية الماضي أو الحاضر فقط، بل قضية مستقبل، لأن:
-
الأمن المائي العالمي مرتبط بها
-
التكيف مع المناخ يمر عبرها
-
استدامة النظم البيئية تبدأ منها
وأي إهمال للجبال اليوم، يعني أزمات أكبر غدًا.
خاتمة: حين نحمي الجبال… نحمي أنفسنا
اليوم الدولي للجبال ليس يومًا للنظر إلى القمم من بعيد، بل للتفكير العميق في علاقتنا بالأرض. فالجبال، بصمتها وثباتها، تذكّرنا أن الاستدامة لا تعني السيطرة على الطبيعة، بل التعايش معها باحترام وحكمة.
اقرأ أيضًا
حين تعبر الإنسانية الحدود: اليوم الدولي للمهاجرين وسؤال العدالة في عالم متحرك
حين يصبح الاختلاف قوة: اليوم الدولي للأشخاص ذوي الإعاقة من الاعتراف إلى التمكين
اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة
دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في التدريبات
كيف تساهم الرياضة في دمج النساء والأشخاص ذوي الإعاقة ودعم المساواة؟
اليوم الدولي لإلغاء الرق: ذاكرة إنسانية مفتوحة في مواجهة العبودية الحديثة
اليوم العالمي لمكافحة الإيدز: من الخوف والوصمة إلى الحق في العلاج والحياة الكريمة
ديسمبر… شهر الضمير العالمي: كيف اختارت الإنسانية أيامها الدولية بين الذاكرة والمستقبل
التضامن الإنساني: جسر عالمي نحو كرامة الإنسان وسبل العدالة في القرن الواحد والعشرين
حين لامست الأجنحة السماء لأول مرة: قصة يوم الأخوين رايت وبداية عصر الطيران
يوم حقوق الإنسان: اليوم الذي تتحدث فيه الإنسانية بصوت واحد
اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة: يوم تتحدث فيه الإنسانية بصوتٍ واحد
كلمات مفتاحية
اليوم الدولي للجبال، الجبال والتنمية المستدامة، حماية الجبال، البيئة الجبلية، الأمم المتحدة، 11 ديسمبر.
الاهتمام بالبيئة مهم جدا جدا
ردحذف