تشي جيفارا: الثائر الذي تجاوز الجغرافيا وصنع أسطورته بين السياسة والحلم والدم
النشأة والبدايات – من طفل مريض إلى عقل متمرّد
وُلد إرنستو جيفارا دي لا سيرنا في 14 يونيو 1928 بمدينة روساريو في الأرجنتين، لأسرة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة، ذات ميول فكرية تقدمية. منذ طفولته، عانى تشي من الربو المزمن، وهو مرض شكّل جزءًا جوهريًا من شخصيته؛ إذ علّمه الصبر، والصلابة، والتحدي المبكر للقيود الجسدية.
رغم حالته الصحية، كان قارئًا نهمًا منذ صغره، التهم كتب الفلسفة، والتاريخ، والأدب، خاصة كتابات ماركس، وإنجلز، وفرويد، ونيتشه. هذا التكوين المعرفي المبكر زرع فيه نزعة تساؤلية رافضة للظلم والاستسلام.
دراسة الطب… والطريق إلى الوعي السياسي
التحق جيفارا بكلية الطب في جامعة بوينس آيرس، ولم يكن اختياره للطب مصادفة، بل انعكاسًا لرغبته في فهم الألم الإنساني. غير أن التحول الحقيقي في حياته لم يحدث داخل قاعات الدراسة، بل خارجها، أثناء رحلاته الطويلة عبر أمريكا اللاتينية.
في رحلته الشهيرة على دراجة نارية عبر تشيلي، وبيرو، وكولومبيا، وفنزويلا، شاهد بعينيه الفقر المدقع، واستغلال العمال، وتهميش السكان الأصليين. هناك، بدأ يتحول من طبيب فردي إلى ثائر يفكر في المرض بوصفه ظاهرة اجتماعية وسياسية، لا مجرد حالة طبية.
كتب لاحقًا في مذكراته أن تلك الرحلة،
"مزقت داخلي الطبيب التقليدي، وولدت إنسانًا جديدًا يرى الظلم كجريمة لا كقدر".
من الوعي إلى السلاح – اللقاء الذي غيّر التاريخ
في المكسيك، التقى تشي جيفارا برجل سيغير مسار حياته والعالم: فيديل كاسترو. كان اللقاء حاسمًا، إذ وجد جيفارا في كاسترو مشروعًا ثوريًا عمليًا، لا مجرد أفكار نظرية.
انضم تشي إلى حركة 26 يوليو، وشارك في الإعداد للثورة الكوبية ضد نظام باتيستا المدعوم أمريكيًا. لم يكن مجرد مقاتل، بل طبيبًا، ومنظرًا، وقائدًا ميدانيًا سرعان ما أثبت كفاءة عالية في حرب العصابات.
الثورة الكوبية – من الغابة إلى السلطة
خاض تشي جيفارا معارك قاسية في جبال سييرا مايسترا، وأظهر انضباطًا صارمًا وقدرة على القيادة. كان يؤمن بأن الثورة ليست فوضى، بل أخلاق وانضباط وتضحية.
بعد انتصار الثورة عام 1959، لم يكتفِ تشي بدور رمزي، بل تولّى مناصب مهمة في الدولة الجديدة، منها:
-
رئيس البنك المركزي
-
وزير الصناعة
-
ممثل كوبا الدبلوماسي في الخارج
لكن هنا بدأت المفارقة: الثائر لم يكن رجل دولة تقليديًا. فقد اصطدم بالبيروقراطية، وشعر أن السلطة تُفسد الروح الثورية، وأن الثورة إن توقفت عن التوسع تموت.
القضية التي تبناها – ثورة بلا حدود
لم يؤمن تشي جيفارا بالثورة القومية المحدودة، بل تبنى فكرة الثورة العالمية ضد الإمبريالية والرأسمالية. كان يرى أن الظلم بنية عالمية، وأن مواجهته يجب أن تكون عابرة للحدود.
دافع عن:
-
حق الشعوب في تقرير مصيرها
-
مقاومة الهيمنة الاقتصادية
-
العدالة الاجتماعية
-
إنهاء الاستعمار بأشكاله الجديدة
وفي خطاباته، هاجم الولايات المتحدة بشدة، واعتبرها القوة الأساسية التي تُبقي شعوب العالم الثالث في حالة تبعية وفقر.
كيف حاول تشي مساعدة الشعوب؟
لم يكن تشي مفكرًا نظريًا يكتب من خلف المكاتب، بل نزل إلى الميدان. حاول تصدير تجربته الثورية إلى:
-
الكونغو
-
بوليفيا
وكان يعتقد أن إشعال "بؤر ثورية" سيؤدي إلى انهيار منظومات القمع واحدة تلو الأخرى. غير أن الواقع كان أعقد من النظرية؛ إذ واجه:
-
نقص الدعم الشعبي
-
صراعات داخلية
-
تفوقًا استخباراتيًا للخصوم
ومع ذلك، ظل متمسكًا بفكرته حتى النهاية.
قصص إنسانية من حياته
رغم صرامته الثورية، كان تشي إنسانًا حساسًا. من قصصه المعروفة:
-
كان يعالج الفلاحين مجانًا حتى أثناء القتال
-
كان يرفض التمييز العنصري داخل صفوف الثوار
-
كتب رسائل مؤثرة لأطفاله يوصيهم فيها بالصدق والشجاعة
كتب في إحدى رسائله:
"إن شعرت بالظلم في أي مكان في العالم، فاعلم أني قريب منك".
النهاية – سقوط الجسد وبقاء الرمز
في أكتوبر 1967، أُلقي القبض على تشي جيفارا في بوليفيا بعد معركة غير متكافئة. أُعدم ميدانيًا بأمر من السلطات البوليفية، وبمباركة غير مباشرة من الاستخبارات الأمريكية.
قُتل تشي، لكن موته لم يكن نهاية، بل بداية أسطورة. انتشرت صورته أكثر بعد وفاته، وتحول إلى رمز عالمي للتمرد والرفض.
ماذا قالت الصحافة العالمية عن تشي جيفارا؟
انقسمت الصحافة العالمية في تقييمها له:
الصحافة اليسارية:
-
وصفته بـ"ضمير العالم الثالث"
-
اعتبرته شهيد العدالة الاجتماعية
-
رمزًا للثورة الأخلاقية
الصحافة الغربية المحافظة:
-
وصفته بالمغامر الدموي
-
انتقدت أساليبه العنيفة
-
اعتبرته مثالًا للفشل الثوري
لكن المفارقة أن الطرفين اتفقا على شيء واحد: أن تشي جيفارا شخصية لا يمكن تجاهلها.
أغنية جيفارات مات، تأليف الفاجومي أحمد فؤاد نجم وغناء الشيخ إمام
تشي جيفارا بين الأسطورة والواقع
خاتمة
رحل الجسد، وبقي الوجه، وبقي السؤال.
اقرأ أيضًا
نيلسون مانديلا: الرجل الذي هزم العنصرية دون أن يحمل حقدًا
حين ينتصر الضمير: مقارنة تاريخية بين غاندي ومانديلا من الهند إلى جنوب أفريقيا
غاندي: حين انتصرت الأخلاق على الإمبراطورية
مارتن لوثر كينج: صوت الحرية الذي أضاء دروب العدالة
ديسمبر… شهر الضمير العالمي: كيف اختارت الإنسانية أيامها الدولية بين الذاكرة والمستقبل
التضامن الإنساني: جسر عالمي نحو كرامة الإنسان وسبل العدالة في القرن الواحد والعشرين
حين لامست الأجنحة السماء لأول مرة: قصة يوم الأخوين رايت وبداية عصر الطيران
يوم حقوق الإنسان: اليوم الذي تتحدث فيه الإنسانية بصوت واحد
اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة: يوم تتحدث فيه الإنسانية بصوتٍ واحد
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا