ابن النفيس: الفيلسوف الطبيب ومهندس أسرار الجسد بين العقل والعلم

ابن النفيس: الفيلسوف الطبيب ومهندس أسرار الجسد بين العقل والعلم

في تاريخ الطب والفكر الإسلامي يقف اسم ابن النفيس شامخًا كأحد العقول الفذة التي سبقت عصرها. لم يكن مجرد طبيب يصف العلاجات أو يشرح الأعضاء، بل كان مفكرًا موسوعيًا جمع بين الطب والفلسفة، بين الفقه والتفسير، وبين العقل النقدي والخيال العلمي. واشتهر عالميًا بكونه مكتشف الدورة الدموية الصغرى، لكن قيمته لا تقتصر على هذا الاكتشاف وحده؛ إذ يمثل مشروعًا فكريًا متكاملًا حاول فيه أن يفسر أسرار الجسد والروح معًا.

ابن النفيس: الفيلسوف الطبيب ومهندس أسرار الجسد بين العقل والعلم
ابن النفيس

هذا المقال يسعى إلى تقديم قراءة نقدية لحياة ابن النفيس ومؤلفاته وأفكاره، مع تحليل أثره الأدبي والعلمي، وبيان كيف جسد تفاعل العقل العربي الإسلامي مع التحديات الفكرية والطبية في القرن السابع الهجري.

من هو ابن النفيس؟

اسمه الكامل علاء الدين علي بن أبي الحزم القرشي الدمشقي، ولد في دمشق سنة 607هـ/1210م، وتوفي في القاهرة سنة 687هـ/1288م. تلقى علومه الأولى في دمشق، حيث درس الطب في البيمارستان النوري الذي أسسه الملك نور الدين زنكي. وهناك تشرّب المعارف الطبية والفلسفية على يد كبار الأطباء، ثم انتقل إلى القاهرة، حيث تولى رئاسة الأطباء في المستشفى الناصري، ثم البيمارستان المنصوري.

إلى جانب مهنته الطبية، كان ابن النفيس فقيهًا شافعيًا، ومفسرًا، وأديبًا، وهو ما جعله يجمع بين علوم الدين والدنيا في مشروع واحد.

مؤلفات ابن النفيس: موسوعية فكرية

ترك ابن النفيس تراثًا غنيًا تنوع بين الطب والفلسفة والفقه واللغة، ومن أبرز أعماله:

1.     شرح تشريح القانون: أهم كتبه وأشهرها، وفيه أعلن اكتشافه للدورة الدموية الصغرى.

2.     الموجز في الطب: كتاب مختصر عُرف بشموليته ودقته، وصار مرجعًا تعليميًا في الجامعات الإسلامية.

3.     الشامل في الصناعة الطبية: موسوعة ضخمة لم تكتمل، يُقال إنها كانت ستبلغ ثلاثمائة مجلد.

4.     الرسالة الكاملية في السيرة النبوية: عمل فلسفي-خيالي يقدّم فيه رؤية كونية حول النبوة والإنسان.

5.     كتب فقهية وأصولية وتفاسير للقرآن الكريم.

هذا التنوع يثبت أنه لم يكن حبيس مهنة الطب، بل كان عالمًا موسوعيًا على طريقة فلاسفة النهضة.

اكتشاف الدورة الدموية الصغرى: ثورة علمية مبكرة

قبل ابن النفيس، كان الرأي الطبي السائد يتبع تعاليم جالينوس، الذي قال بوجود مسام في الحاجز بين البطينين الأيمن والأيسر في القلب تسمح بانتقال الدم. جاء ابن النفيس، فدحض هذه الفكرة عبر ملاحظات دقيقة، معلنًا أن:

·         الدم يخرج من البطين الأيمن إلى الرئتين عبر الشريان الرئوي.

·         يمتزج بالهواء هناك، ثم يعود إلى البطين الأيسر عبر الوريد الرئوي.

·         لا وجود لمسام في الحاجز بين البطينين.

بهذا الوصف العلمي الدقيق، وضع الأساس لاكتشاف الدورة الدموية الكبرى لاحقًا على يد وليام هارفي في القرن السابع عشر. ومن هنا لقّبه كثير من المؤرخين بـ أبو الدورة الدموية.

ابن النفيس الفيلسوف: رؤية للعقل والوجود

لم يكتف ابن النفيس بأن يكون طبيبًا، بل كان أيضًا فيلسوفًا عقلانيًا. في الرسالة الكاملية قدّم تصورًا كونيًا للوجود، حاول فيه أن يفسر علاقة الإنسان بالوحي، والعقل بالعلم. اعتبر أن العقل هو الوسيلة لفهم الدين والكون، لكنه لا يلغي الوحي بل يكمله.

كما قدّم تصورًا عن نشأة الإنسان، فيه ملامح من الخيال العلمي، حيث تحدث عن مخلوق وُجد في جزيرة نائية، وتعلّم بالعقل والمعرفة حتى وصل إلى الإيمان. هذه الرؤية كانت محاولة مبكرة للجمع بين التجربة العلمية والفلسفة الدينية.

الأسلوب الأدبي عند ابن النفيس

نظرة نقدية لأعماله تكشف عن:

·         الوضوح والدقة: خصوصًا في مؤلفاته الطبية.

·         اللغة الفلسفية المجردة: كما في الرسالة الكاملية.

·         التوازن بين العقل والنقل: فهو يستخدم النصوص الدينية لكنه يفسرها بمنطق علمي.

·         الجرأة النقدية: لم يتردد في نقد جالينوس أو حتى ابن سينا.

بهذا جمع بين الصرامة العلمية والخيال الأدبي، مما يجعل نصوصه قابلة للقراءة الأدبية والفكرية في آن واحد.

ابن النفيس والمجتمع: الطبيب الإصلاحي

كان ابن النفيس يرى أن الطب ليس مجرد علاج، بل وسيلة لإصلاح المجتمع. فقد اهتم بـ:

·         تحسين طرق التعليم الطبي.

·         نقد الممارسات الشعبية غير العلمية.

·         الدعوة إلى التجريب والملاحظة المباشرة بدلًا من التقليد الأعمى.

هذه النزعة الإصلاحية جعلته قريبًا من فكر العقلانية الإسلامية التي برزت في عصره.

أثر ابن النفيس في التراث الإنساني

·         في العالم الإسلامي: صار كتابه "الموجز" مرجعًا أساسيًا في التعليم الطبي لقرون.

·         في أوروبا: وصلت آراؤه عبر الترجمات اللاتينية، ويُرجَّح أن اكتشافاته أثّرت على أطباء النهضة.

·         في الفكر الحديث: يُعتبر نموذجًا للمثقف الموسوعي الذي يجمع بين العلوم الطبيعية والإنسانية.

نقد معاصر لابن النفيس

من منظور نقدي حديث يمكن القول إن ابن النفيس يمثل:

·         العقلانية الطبية: التي تعتمد على الملاحظة لا التقليد.

·         الفلسفة التكاملية: التي تربط بين الجسد والروح، بين الدين والعقل.

·         الخيال العلمي المبكر: في رسالته الكاملية.

لكن بعض النقاد يرون أن مشروعه لم يكتمل بسبب انشغاله بتعدد المجالات، وأنه كان بإمكانه أن يترك تراثًا أعظم لو ركز على جانب واحد.

وفاته وإرثه

توفي ابن النفيس في القاهرة عام 1288م بعد حياة حافلة بالعلم والتأليف. قيل إنه أوصى بوقف مكتبته الكبيرة للمستشفى المنصوري لتكون مرجعًا للطلاب والأطباء. وبذلك لم يكن عالمًا معزولًا، بل فاعلًا في المجتمع ومشاركًا في بناء مؤسساته العلمية.

ختامًا

إن ابن النفيس ليس مجرد طبيب اكتشف الدورة الدموية الصغرى، بل هو مفكر موسوعي جمع بين دقة الملاحظة الطبية وجرأة الفلسفة وعمق الفقه الإسلامي. يمثل مثالًا حيًا على قدرة العقل العربي الإسلامي في العصور الوسطى على الإبداع والإضافة، لا مجرد النقل والتقليد.

وإذا كان الغرب قد نسب ثورة الطب الحديث إلى هارفي، فإن المنصفين يعترفون أن الشرارة الأولى انطلقت من عقل ابن النفيس في دمشق والقاهرة. لهذا، يبقى ابن النفيس شاهدًا خالدًا على أن الحضارة الإسلامية كانت وما تزال جزءًا أساسيًا من التراث العلمي الإنساني.

اقرأ أيضًا



كلمات مفتاحية

ابن النفيس، مكتشف الدورة الدموية الصغرى، الطب الإسلامي، التراث الطبي العربي، الفلسفة الإسلامية، الفكر العلمي


تعليقات