أحمد عرابي: الفلاح الذي وقف في وجه الخديوي وكتب أول سطر في الوطنية المصرية الحديثة
«لقد خلقنا الله أحرارًا ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا».
النشأة والبدايات – فلاح يولد وفي قلبه تمرّد
تعلّم عرابي في الكتّاب، ثم التحق بالأزهر الشريف، حيث تلقّى علوم الدين واللغة، واكتسب حسًا أخلاقيًا وعدليًا مبكرًا، جعله يرفض الظلم بوصفه مخالفة للدين قبل أن يكون مخالفة للسياسة.
الطريق إلى الجيش – بوابة الصعود الاجتماعي
كان الجيش آنذاك مؤسسة تعكس التمييز الطبقي بوضوح:
-
الضباط من أصول تركية وشركسية
-
الجنود من المصريين
-
الترقية قائمة على الأصل لا الكفاءة
ورغم هذه العقبات، أثبت عرابي كفاءة وانضباطًا جعلاه يتدرج في الرتب حتى وصل إلى رتبة أميرالاي، وهو إنجاز نادر لفلاح مصري في ذلك العصر.
وعي يتشكّل داخل المؤسسة العسكرية
لاحظ:
-
الظلم الواقع على الجنود المصريين
-
تحكم الأجانب في القرار العسكري
-
التدخل الأوروبي المتزايد في شؤون مصر
-
تدهور أوضاع الفلاحين بسبب الديون والضرائب
أدرك عرابي أن الأزمة ليست فردية، بل بنيوية، وأن مصر تُدار لمصلحة قلة، بينما تُستنزف الأغلبية.
بداية النضال – من مطلب عسكري إلى قضية وطن
بدأت حركة عرابي بمطالب عسكرية محددة:
-
المساواة بين الضباط
-
عزل وزير الحربية المستبد
-
تحسين أوضاع الجيش
لكن سرعان ما تحوّلت المطالب إلى قضية وطنية شاملة، بعد انضمام المثقفين، والعلماء، والفلاحين، والتجار.
هنا لم يعد عرابي قائد تمرد عسكري، بل أصبح رمزًا لحركة اجتماعية واسعة تطالب:
-
بالدستور
-
بمجلس نواب
-
بالحد من نفوذ الأجانب
-
بالعدالة الاجتماعية
وقفة عابدين – لحظة ميلاد المواطن المصري
في سبتمبر 1881، قاد أحمد عرابي مظاهرة عسكرية وشعبية إلى قصر عابدين، ووقف أمام الخديوي توفيق مطالبًا بالإصلاح.
القضية التي تبناها أحمد عرابي
آمن بأن:
-
مصر للمصريين
-
الجيش يجب أن يكون وطنيًا
-
الفلاح يستحق حياة كريمة
-
الحكم يجب أن يخضع للمساءلة
لم يكن معاديًا للملك كفكرة، لكنه رفض أن يكون الحكم أداة لقهر الشعب أو لخدمة المصالح الأجنبية.
كيف ساعد أحمد عرابي شعبه؟
رغم قصر فترة حركته، ترك عرابي أثرًا عميقًا:
1. رفع الوعي الوطني
جعل المصريين يدركون أنهم أصحاب حق، لا رعايا بلا صوت.
2. كسر حاجز الخوف
فتح الباب أمام فكرة الاحتجاج والمطالبة بالإصلاح.
3. الدفاع عن الفلاحين
عبّر عن معاناة الريف، وأدخل الفلاح لأول مرة إلى قلب السياسة.
4. التمهيد للدستور
كانت الحركة العرابية نواة لفكرة الحكم الدستوري في مصر.
التدخل الأجنبي وسقوط الحركة
أثارت الحركة العرابية قلق القوى الأوروبية، خاصة بريطانيا، التي رأت فيها تهديدًا مباشرًا لمصالحها، خصوصًا قناة السويس.
تحت ذريعة حماية الخديوي والأجانب، شنّت بريطانيا عدوانها العسكري على مصر عام 1882، وانتهت المواجهة بهزيمة الجيش المصري في معركة التل الكبير.
المحاكمة والنفي – نهاية البطل أم بداية الأسطورة؟
قُدّم أحمد عرابي للمحاكمة بتهمة العصيان والخيانة، وصدر عليه حكم بالإعدام، ثم خُفف إلى النفي المؤبد.
نُفي عرابي إلى سيلان (سريلانكا)، حيث عاش سنوات طويلة بعيدًا عن وطنه، في ظروف قاسية، يعاني الفقر والمرض.
لكن النفي لم يقتل فكرته؛ بل حوّله إلى رمز مظلوم في الذاكرة الوطنية.
قصص إنسانية من حياة عرابي
من أبرز القصص:
-
رفضه الهروب رغم علمه بقوة الأسطول البريطاني
-
تحمّله مسؤولية الهزيمة دفاعًا عن جنوده
-
حياته المتواضعة في المنفى
-
صبره الطويل دون مرارة أو انتقام
كان يؤمن أن التاريخ سينصفه، وإن طال الزمن.
العودة إلى الوطن والنهاية
توفي في 21 سبتمبر 1911، ودُفن في صمت، دون تكريم رسمي يليق بدوره التاريخي.
لكن المفارقة أن موته كان بداية إعادة اكتشافه كبطل وطني.
ماذا قالت الصحافة العالمية عن أحمد عرابي؟
في زمنه، تناولت الصحافة الأوروبية عرابي بقدر كبير من العداء:
-
وصفته بالمتمرّد
-
اتهمته بالفوضوية
-
صوّرته كتهديد للاستقرار
لكن لاحقًا، أعادت دراسات تاريخية غربية تقييمه بوصفه:
-
قائدًا وطنيًا مبكرًا
-
ممثلًا لحركة تحرر شعبية
-
أحد رواد القومية المصرية
حتى بعض المؤرخين البريطانيين أقرّوا بأن هزيمته لم تكن بسبب فشل مشروعه، بل بسبب اختلال ميزان القوة.
أحمد عرابي في الذاكرة المصرية
اختلفت الآراء حول أحمد عرابي، لكن التاريخ أنصفه في النهاية بوصفه:
-
أول من تحدّى الحكم المطلق
-
أول من تحدث باسم الفلاح
-
أول من ربط الجيش بالشعب
كان عرابي البداية، لا النهاية.
خاتمة
اقرأ أيضًا
محمد علي باشا: من جندي مغمور إلى مؤسس الدولة المصرية الحديثة
فيدل كاسترو: الزعيم الذي تحدّى الإمبراطورية وصاغ أسطورة كوبا المعاصرة
جمال عبد الناصر: من ضابط مغمور إلى زعيم غيّر وجه الشرق الأوسط
نابليون بونابرت: الإمبراطور الذي أعاد تشكيل أوروبا من الثورة إلى الخلود التاريخي
تشي جيفارا: الثائر الذي تجاوز الجغرافيا وصنع أسطورته بين السياسة والحلم والدم
نيلسون مانديلا: الرجل الذي هزم العنصرية دون أن يحمل حقدًا
حين ينتصر الضمير: مقارنة تاريخية بين غاندي ومانديلا من الهند إلى جنوب أفريقيا
غاندي: حين انتصرت الأخلاق على الإمبراطورية
مارتن لوثر كينج: صوت الحرية الذي أضاء دروب العدالة
ديسمبر… شهر الضمير العالمي: كيف اختارت الإنسانية أيامها الدولية بين الذاكرة والمستقبل
التضامن الإنساني: جسر عالمي نحو كرامة الإنسان وسبل العدالة في القرن الواحد والعشرين
حين لامست الأجنحة السماء لأول مرة: قصة يوم الأخوين رايت وبداية عصر الطيران
يوم حقوق الإنسان: اليوم الذي تتحدث فيه الإنسانية بصوت واحد
اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة: يوم تتحدث فيه الإنسانية بصوتٍ واحد
تعليقات
إرسال تعليق
هنا نستقبل تعليقاتكم الإيجابية وآرائكم البناءة
شكرًا مقدمًا